و ربما أجيب عن الاستشكال في عد الفتن من المن بأن الفتن هاهنا بمعنى التخليص كتخليص الذهب بالنار ، وربما أجيب بأن كونه منا باعتبار الثواب المترتب على ذلك ، والوجهان مبنيان على فصل قوله:"فلبثت"إلى آخر الآية عما قبله ولذا قال بعضهم: إن المراد بالفتنة هو ما قاساه موسى من الشدة بعد خروجه من مصر إلى أن استقر في مدين لمكان فاء التفريع في قوله:"فلبثت سنين في أهل مدين"الدال على تأخر اللبث عن الفتنة زمانا ، وفيه أن الفاء إنما تدل على التفرع فحسب وليس من الواجب أن يكون تفرعا زمانيا دائما.
وقال بعضهم: إن القدر بمعنى التقدير والمراد ثم جئت إلى أرض مصر على ما قدرنا ثم اعترض على أخذ القدر بمعنى المقدار بأن المعروف من القدر بهذا المعنى هو ما كان بسكون الدال لا بفتحها وفيه أن القدر والقدر بسكون الدال وفتحها - كما صرحوا به كالنعل والنعل بمعنى واحد.
على أن القدر بمعنى المقدار كما قدمناه - أكثر ملاءمة للسياق أو متعين.
وذكر لمجيئه على مقدار بعض معان أخر وهي سخيفة لا جدوى فيها.
وختم ذكر المن بنداء موسى (عليه السلام) زيادة تشريف له.
قوله تعالى:"و اصطنعتك لنفسي"الاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الإحسان - على ما ذكروا - يقال: صنعه أي أحسن إليه واصطنعه أي حقق إحسانه إليه وثبته فيه ، ونقل عن القفال أن معنى الاصطناع أنه يقال: اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وخريجه.
انتهى.
وعلى هذا يئول معنى اصطناعه إياه إلى إخلاصه تعالى إياه لنفسه ويظهر موقع قوله:"لنفسي"أتم ظهور وأما على المعنى الأول فالأنسب بالنظر إلى السياق أن يكون الاصطناع مضمنا معنى الإخلاص ، والمعنى على أي حال وجعلتك خالصا لنفسي فيما عندك من النعم فالجميع مني وإحساني ولا يشاركني فيك غيري فأنت لي مخلصا وينطبق ذلك على قوله:"و اذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا": مريم: 51.
ومن هنا يظهر أن قول بعضهم: المراد بالاصطناع الاختيار ، ومعنى اختياره لنفسه جعله حجة بينه وبين خلقه كلامه كلامه ودعوته دعوته وكذا قول بعضهم إن المراد بقوله:"لنفسي"لوحيي ورسالتي ، وقول آخرين: لمحبتي ، كل ذلك من قبيل التقييد من غير مقيد.
ويظهر أيضا أن اصطناعه لنفسه منظوم في سلك المنن المذكورة بل هو أعظم النعم ومن الممكن أن يكون معطوفا على قوله:"جئت على قدر"عطف تفسير.
والاعتراض على هذا المعنى بأن توسيط النداء بينه وبين المنن المذكورة لا يلائم كونه منظوما في سلكها - على ما ذكر الفخر الرازي في تفسيره ، - فالأولى جعله تمهيدا لإرساله إلى فرعون مع شركة من أخيه في أمره.
وفيه أن توسيط النداء لا ينحصر وجهه فيما ذكر فلعل الوجه فيه تشريفه بمزيد اللطف وتقريبه من موقف الأنس ليكون ذلك تمهيدا للالتفات ثانيا من التكلم بالغير إلى التكلم وحده بقوله:"و اصطنعتك لنفسي".
قوله تعالى:"اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري"تجديد للأمر السابق خطابا لموسى وحده في قوله:"اذهب إلى فرعون إنه طغى"بتغيير ما فيه بإلحاق أخي موسى به لتغير ما في المقام بإيتاء سؤال موسى أن يشرك هارون في أمره فوجه الخطاب ثانيا إليهما معا.
وأمرهما أن يذهبا بآياته ولم يؤت وقتئذ إلا آيتين وعد جميل بأنه مؤيد بغيرهما وسيؤتاه حين لزومه ، وأما القول بأن المراد هما الآيتان والجمع ربما يطلق على الاثنين ، أو أن كلا من الآيتين ينحل إلى آيات كثيرة مما لا ينبغي الركون إليه.
وقوله:"و لا تنيا في ذكري"نهي عن الوني وهو الفتور ، والأنسب للسياق السابق أن يكون المراد بالذكر الدعوة إلى الإيمان به تعالى وحده لا ذكره بمعنى التوجه إليه قلبا أو لسانا كما قيل.
قوله تعالى:"اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى"جمعهما في الأمر ثانيا فخاطب موسى وهارون معا وكذلك في النهي الذي قبله في قوله:"و لا تنيا"وقد مهد لذلك بإلحاق هارون بموسى في قوله:"اذهب أنت وأخوك"وليس ببعيد أن يكون نقلا لمشافهة أخرى وتخاطب وقع بينه تعالى وبين رسوليه مجتمعين أو متفرقين بعد ذاك الموقف ويؤيده سياق قوله بعد:"قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا"إلخ.