فهرس الكتاب

الصفحة 2891 من 4314

فالفصل الأول يقص الوحي إلى أمه بقذفه في التابوت ثم في البحر لينتهي إلى فرعون فيأخذه عدو الله وعدوه والفصل الثاني يقص إلقاء المحبة عليه لينصرف فرعون عن قتله ويحسن إليه حتى ينتهي الأمر إلى رجوعه إلى أمه واستقراره في حجرها لتقر عينها ولا تحزن وقد وعدها الله ذلك كما قال في سورة القصص:"فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق": القصص: 13 ، ولازم هذا المعنى كون الجملة أعني قوله:"و ألقيت عليك"إلخ ، معطوفا على قوله:"أوحينا إلى أمك".

ومعنى إلقاء محبة منه عليه كونه بحيث يحبه كل من يراه كأن المحبة الإلهية استقرت عليه فلا يقع عليه نظر ناظر إلا تعلقت المحبة بقلبه وجذبته إلى موسى ، ففي الكلام استعارة تخييلية وفي تنكير المحبة إشارة إلى فخامتها وغرابة أمرها.

واللام في قوله:"و لتصنع على عيني"للغرض ، والجملة معطوفة على مقدر والتقدير ألقيت عليك محبة مني لأمور كذا وكذا وليحسن إليك على عيني أي بمرأى مني فإني معك أراقب حالك ولا أغفل عنك لمزيد عنايتي بك وشفقتي عليك.

وربما قيل: إن المراد بقوله:"و لتصنع على عيني"الإحسان إليه بإرجاعه إلى أمه وجعل تربيته في حجرها.

وكيف كان فهذا اللسان وهو لسان كمال العناية والشفقة يناسب سياق التكلم وحده ولذا عدل إليه من لسان التكلم بالغير.

وقوله:"إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن"الظرف - على ما يعطيه السياق - متعلق بقوله:"و لتصنع"والمعنى: وألقيت عليك محبة مني يحبك كل من يراك لكذا وكذا وليحسن إليك بمرأى مني وتحت مراقبتي في وقت تمشي أختك لتجوس خبرك وترى ما يصنع بك فتجد عمال فرعون يطلبون مرضعا ترضعك فتقول لهم - والاستقبال في الفعل لحكاية الحال الماضية - عارضة عليهم: هل أدلكم على من يكفله بالحضانة والإرضاع فرددناك إلى أمك كي تسر ولا تحزن.

وقوله:"فرجعناك"بصيغة المتكلم مع الغير رجوع إلى السياق السابق وهو التكلم بالغير وليس بالتفات.

قوله تعالى:"و قتلت نفسا فنجيناك من الغم إلى آخر الآية ، إشارة إلى من أو منن أخرى ملحقة بالمنين السابقين وهو قصة قتله (عليه السلام) القبطي وائتمار الملإ أن يقتلوه وفراره من مصر وتزوجه هناك ببنت شعيب النبي وبقاؤه عنده بين أهل مدين عشر سنين أجيرا يرعى غنم شعيب ، والقصة مفصلة مذكورة في سورة القصص."

فقوله:"و قتلت نفسا"هو قتله القبطي بمصر ، وقوله:"فنجيناك من الغم"وهو ما كان يخافه أن يقتله الملأ من آل فرعون فأخرجه الله إلى أرض مدين فلما أحضره شعيب وورد عليه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين.

وقوله:"و فتناك فتونا"أي ابتليناك واختبرناك ابتلاء واختبارا ، قال الراغب من المفردات ،: أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته ، واستعمل في إدخال الإنسان النار ، قال:"يوم هم على النار يفتنون""ذوقوا فتنكم"أي عذابكم ، قال: وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة فيستعمل فيه نحو قوله:"ألا في الفتنة سقطوا"وتارة في الاختبار ، نحو:"و فتناك فتونا"وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما تستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا وقد قال فيهما:"و نبلوكم بالشر والخير فتنة"انتهى موضع الحاجة من كلامه.

وقوله:"فلبثت سنين في أهل مدين"متفرع على الفتنة.

وقوله:"ثم جئت على قدر يا موسى"لا يبعد أن يستفاد من السياق أن المراد بالقدر هو المقدر وهو ما حصله من العلم والعمل عن الابتلاءات الواردة عليه في نجاته من الغم بالخروج من مصر ولبثه في أهل مدين.

وعلى هذا فمجموع قوله:"و قتلت نفسا فنجيناك"- إلى قوله - يا موسى"من واحد وهو أنه ابتلي ابتلاء بعد ابتلاء حتى جاء على قدر وهو ما اكتسبه من فعلية الكمال."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت