و يمكن أن يكون المراد بالضمير في"بنا"أهله ، والمعنى: أنك كنت بصيرا بنا أهل البيت أنا أهل تسبيح وذكر فإن جعلت هارون أخي ، وهو من أهلي ، وزيرا لي سبحناك كثيرا وذكرناك كثيرا ، وهذا الوجه أحسن من سابقه لأنه يفي ببيان النكتة في ذكر الأهل في قوله السابق:"و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي"أيضا فافهم ذلك.
قوله تعالى:"قال قد أوتيت سؤلك يا موسى"إجابة لأدعيته جميعا وهو إنشاء نظير ما مر من قوله:"و أنا اخترتك فاستمع لما يوحى".
قوله تعالى:"و لقد مننا عليك مرة أخرى - إلى قوله - كي تقر عينها ولا تحزن"يذكره تعالى بمن آخر له عليه قبل أن يختاره للنبوة والرسالة ويؤتي سؤله وهو منه عليه حينما تولد فقد كان بعض الكهنة أخبر فرعون أن سيولد في بني إسرائيل مولود يكون بيده زوال ملكه فأمر فرعون بقتل كل مولود يولد فيهم فكانوا يقتلون المواليد الذكور حتى إذا ولد موسى أوحى الله إلى أمه أن لا تخاف وترضعه فإذا خافت عليه من عمال فرعون وجلاوزته تقذفه في تابوت فتقذفه في النيل فيلقيه اليم إلى الساحل حيال قصر فرعون فيأخذه فيتخذه ابنا له وكان لا عقب له ولا يقتله ثم إن الله سيرده إليها.
ففعلت كما أوحي إليها فلما جرى التابوت بجريان النيل أرسلت بنتا لها وهي أخت موسى أن تجس أخباره فكانت تطوف حول قصر فرعون حتى وجدت نفرا يطلبون بأمر فرعون مرضعا ترضع موسى فدلتهم أخت موسى على أمها فاسترضعوها له فأخذت ولدها وقرت به عينها وصدق الله وعده وقد عظم منه على موسى.
فقوله:"و لقد مننا عليك مرة أخرى"امتنان بما صنعه به أول عمره وقد تغير السياق من التكلم وحده إلى التكلم بالغير لأن المقام مقام إظهار العظمة وهو ينبىء عن ظهور قدرته التامة بتخييب سعي فرعون الطاغية وإبطال كيده لإخماد نور الله ورد مكره إليه وتربية عدوه في حجره ، وأما موقف نداء موسى وتكليمه إذ قال:"يا موسى إني أنا ربك"إلخ فسياق التكلم وحده أنسب له.
وقوله:"إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى"المراد به الإلهام وهو نوع من القذف في القلب في يقظة أو نوم ، والوحي في كلامه تعالى لا ينحصر في وحي النبوة كما قال تعالى:"و أوحى ربك إلى النحل": النحل: 68 ، وأما وحي النبوة فالنساء لا يتنبأن ولا يوحى إليهن بذلك قال تعالى:"و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى": يوسف: 109 وقوله:"أن اقذفيه في التابوت"إلى آخر الآية هو مضمون ما أوحي إلى أم موسى و"أن"للتفسير ، وقيل: مصدرية متعلق بأوحي والتقدير أوحي بأن اقذفيه ، وقيل: مصدرية والجملة بدل من:"ما يوحى".
والتابوت الصندوق وما يشبهه والقذف الوضع والإلقاء وكأن القذف الأول في الآية بالمعنى الأول والقذف الثاني بالمعنى الثاني ويمكن أن يكونا معا بالمعنى الثاني بعناية أن وضع الطفل في التابوت وإلقاءه في اليم إلقاء وطرح له من غير أن يعبأ بحاله ، واليم البحر: وقيل: البحر العذب ، والساحل شاطىء البحر وجانبه من البر ، والصنع والصنيعة الإحسان.
وقوله:"فليلقه اليم"أمر عبر به إشارة إلى تحقق وقوعه ومفاده أنا أمرنا اليم بذلك أمرا تكوينيا فهو واقع حتما مقضيا ، وكذا قوله:"يأخذه عدو لي"إلخ وهو جزاء مترتب على هذا الأمر.
ومعنى الآيتين إذ أوحينا وألهمنا أمك بما يوحى ويلهم وهو أن ضعيه - أو ألقيه - في التابوت وهو الصندوق فألقيه في اليم والبحر وهو النيل فمن المقضي من عندنا أن يلقيه البحر بالساحل والشاطىء يأخذه عدو لي وعدو له وهو فرعون لأنه كان يعادي الله بدعوى الألوهية ويعادي موسى بقتله الأطفال وكان طفلا هذا ما أوحيناه إلى أمك.
وقوله:"و ألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني"ظاهر السياق أن هذا الفصل إلى قوله:"و لا تحزن"فصل ثان تال للفصل السابق متمم له والمجموع بيان للمن المشار إليه بقوله:"و لقد مننا عليك مرة أخرى".