قوله تعالى:"هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم"الإشارة بقوله:"هذان"إلى القبيلين اللذين دل عليهما قوله سابقا:"إن الله يفصل بينهم يوم القيامة"وقوله بعده:"و كثير من الناس وكثير حق عليه العذاب".
ويعلم من حصر المختلفين على كثرة أديانهم ومذاهبهم في خصمين اثنين أنهم جميعا منقسمون إلى محق ومبطل إذ لو لا الحق والباطل لم ينحصر الملل والنحل على تشتتها في اثنين البتة ، والمحق والمبطل هما المؤمن بالحق والكافر به فهذه الطوائف على تشتت أقوالهم ينحصرون في خصمين اثنين وعلى انحصارهم في خصمين اثنين لهم أقوال مختلفة فوق اثنين فما أحسن تعبيره بقوله:"خصمان اختصموا"حيث لم يقل: خصوم اختصموا ولم يقل: خصمان اختصما.
وقد جعل اختصامهم في ربهم أي أنهم اختلفوا في وصف ربوبيته تعالى فإلى وصف الربوبية يرجع اختلافات المذاهب بالغة ما بلغت فهم بين من يصف ربه بما يستحقه من الأسماء والصفات وما يليق به من الأفعال فيؤمن بما وصف وهو الحق ويعمل على ما يقتضيه وصفه وهو العمل الصالح فهو المؤمن العامل بالصالحات ، ومن لا يصفه بما يستحقه من الأسماء والصفات كمن يثبت له شريكا أو ولدا فينفي وحدانيته أو يسند الصنع والإيجاد إلى الطبيعة أو الدهر أو ينكر النبوة أو رسالة بعض الرسل أو ضروريا من ضروريات الدين الحق فيكفر بالحق ويستره وهو الكافر فالمؤمن بربه والكافر بالمعنى الذي ذكرهما الخصمان.
ثم شرع في جزاء الخصمين وبين عاقبة أمر كل منهما بعد فصل القضاء وقدم الذين كفروا فقال:"فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم"أي الماء الحار المغلي.
قوله تعالى:"يصهر به ما في بطونهم والجلود"الصهر الإذابة أي يذوب وينضج بذاك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والجلود.
قوله تعالى:"و لهم مقامع من حديد"المقامع جمع مقمعة وهي المدقة والعمود.
قوله تعالى:"كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق"ضمير"منها"للنار و"من غم"بيان له أو من بمعنى السببية والحريق بمعنى المحرق كالأليم بمعنى المؤلم.
قوله تعالى:"إن الله يدخل الذين آمنوا"إلى آخر الآية ، الأساور على ما قيل - جمع أسورة وهي جمع سوار وهو على ما ذكره الراغب معرب"دستواره"والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد"الطيب من القول ما لا خباثة فيه وخبيث القول باطله على أقسامه ، وقد جمع القول الطيب كله قوله تعالى إخبارا عنهم:"دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين:"يونس: 10 فهدايتهم إلى الطيب من القول تيسيره لهم ، وهدايتهم إلى صراط الحميد والحميد من أسمائه تعالى أن لا يصدر عنهم إلا محمود الفعل كما لا يصدر عنهم إلا طيب القول.
وبين هذه الآية وقوله:"كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق"مقابلة ظاهرة.
في التوحيد ، بإسناده عن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) في حديث: قال (عليه السلام) : سلوني قبل أن تفقدوني فقام إليه الأشعث بن قيس فقال يا أمير المؤمنين كيف تؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل إليهم كتاب ولم يبعث إليهم نبي؟ قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله إليهم كتابا وبعث إليهم رسولا حتى كان لهم ملك سكر ذات ليلة فدعا بابنته إلى فراشه فارتكبها. فلما أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيها الملك دنست علينا ديننا وأهلكته فاخرج نطهرك ونقيم عليك الحد فقال لهم: اجتمعوا واسمعوا قولي فإن يكن لي مخرج مما ارتكبت وإلا فشأنكم فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم أن الله لم يخلق خلقا أكرم عليه من أبينا آدم وأمنا حواء؟ قالوا: صدقت أيها الملك قال: أ وليس قد زوج بنيه بناته وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين فتعاقدوا على ذلك فمحا الله ما في صدورهم من العلم ورفع عنهم الكتاب فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب والمنافقون أشد حالا منهم. قال الأشعث. والله ما سمعت بمثل هذا الجواب ، والله لا عدت إلى مثلها أبدا.