فهرس الكتاب

الصفحة 3002 من 4314

و الذين أشركوا هم الوثنية عبدة الأصنام وأصول مذاهبهم ثلاثة: الوثنية الصابئة ، والبرهمانية ، والبوذية ، وقد كان هناك أقوام آخرون يعبدون من الأصنام ما شاءوا كما شاءوا من غير أن يبنوه على أصل منظم كعرب الحجاز وطوائف في أطراف المعمورة وقد تقدم تفصيل القول فيهم في الجزء العاشر من الكتاب.

وقوله:"إن ربك يفصل بينهم يوم القيامة"المراد به فصل القضاء فيما اختلف فيه أصحاب هذه المذاهب واختصموا فينفصل المحق منهم ويتميز من المبطل انفصالا وتميزا لا يستره ساتر ولا يحجبه حاجب.

وتكرار إن في الآية للتأكيد دعى إلى ذلك طول الفصل بين"إن"في صدر الآية وبين خبرها ونظيره ما في قوله:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم:"النحل: 110 ، وقوله"ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم:"النحل: 119.

وقوله:"إن الله على كل شيء شهيد"تعليل للفصل إنه فصل بالحق.

قوله تعالى:"أ لم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب"إلى آخر الآية ، الظاهر أن الخطاب لكل من يرى ويصلح لأن يخاطب ، والمراد بالرؤية العلم ، ويمكن أن يختص بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويكون المراد بالرؤية الرؤية القلبية كما قال فيه:"ما كذب الفؤاد ما رأى أ فتمارونه على ما يرى:"النجم: 12.

وتعميم السجدة لمثل الشمس والقمر والنجوم والجبال من غير أولي العقل دليل على أن المراد بها السجدة التكوينية وهي التذلل والصغار قبال عزته وكبريائه تعالى وتحت قهره وسلطنته ، ولازمه أن يكون"من في الأرض"شاملا لنوع الإنسان من مؤمن وكافر إذ لا استثناء في السجدة التكوينية والتذلل الوجودي.

وعدم ذكر نفس السماوات والأرض في جملة الساجدين مع شمول الحكم لهما في الواقع يعطي أن معنى الكلام أن المخلوقات العلوية والسفلية من ذي عقل وغير ذي عقل ساجدة لله متذللة في وجودها تجاه عزته وكبريائه ، ولا تزال تسجد له تعالى سجودا تكوينيا اضطراريا.

وقوله:"و كثير من الناس"عطف على"من في السماوات"إلخ.

أي ويسجد له كثير من الناس ، وإسناد السجود إلى كثير من الناس بعد شموله في الجملة السابقة لجميعهم دليل على أن المراد بهذا السجود نوع آخر من السجود غير السابق وإن كانا مشتركين في أصل معنى التذلل ، وهذا النوع هو السجود التشريعي الاختياري بالخرور على الأرض تمثيلا للسجود والتذلل التكويني الاضطراري وإظهارا لمعنى العبودية.

وقوله:"و كثير حق عليه العذاب"المقابلة بينه وبين سابقه يعطي أن معناه وكثير منهم يأبى عن السجود ، وقد وضع موضعه ما هو أثره اللازم المترتب عليه وهو ثبوت العذاب على من استكبر على الله وأبى أن يخضع له تعالى ، وإنما وضع ثبوت العذاب موضع الإباء عن السجدة للدلالة على أنه هو عملهم يرد إليهم ، وليكون تمهيدا لقوله تلوا:"و من يهن الله فما له من مكرم"الدال على أن ثبوت العذاب لهم إثر إبائهم عن السجود هوان وخزي يتصل بهم ليس بعده كرامة وخير.

فإباؤهم عن السجود يستتبع بمشية الله تعالى ثبوت العذاب لهم وهو إهانة ليس بعده إكرام أبدا إذ الخير كله بيد الله كما قال ،"بيدك الخير:"آل عمران: 26 فإذا منعه أحدا لم يكن هناك من يعطيه غيره.

وقوله:"إن الله يفعل ما يشاء"كناية عن عموم القدرة وتعليل لما تقدمه من حديث إثباته العذاب للمستكبرين عن السجود له وإهانتهم إهانة لا إكرام بعده.

فالمعنى - والله أعلم - أن الله يميز يوم القيامة بين المختلفين فإنك تعلم أن الموجودات العلوية والسفلية يخضعون ويتذللون له تكوينا لكن الناس بين من يظهر في مقام العبودية الخضوع والتذلل له وبين من يستكبر عن ذلك وهؤلاء هم الذين حق عليهم العذاب وأهانهم الله إهانة لا إكرام بعده وهو قادر على ما يشاء فعال لما يريد ، ومن هنا يظهر أن للآية اتصالا بما قبلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت