الآيات في أحكام الطلاق والعدة وإرضاع المطلقة ولدها ، وفي خلالها شيء من أحكام الصلاة.
قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، أصل الطلاق التخلية عن وثاق وتقييد ثم استعير لتخلية المرأة عن حبالة النكاح وقيد الزوجية ثم صار حقيقة في ذلك بكثرة الاستعمال.
والتربص هو الانتظار والحبس ، وقد قيد بقوله تعالى: بأنفسهن ، ليدل على معنى التمكين من الرجال فيفيد معنى العدة أعني عدة الطلاق ، وهو حبس المرأة نفسها عن الإزدواج تحذرا عن اختلاط المياه ، ويزيد على معنى العدة الإشارة إلى حكمة التشريع ، وهو التحفظ عن اختلاط المياه وفساد الأنساب ، ولا يلزم اطراد الحكمة في جميع الموارد فإن القوانين والأحكام إنما تدور مدار المصالح والحكم الغالبة دون العامة ، فقوله تعالى يتربصن بأنفسهن بمنزله قولنا: يعتددن احترازا من اختلاط المياه وفساد النسل بتمكين الرجال من أنفسهن ، والجملة خبر أريد به الإنشاء تأكيدا.
والقروء جمع القرء ، وهو لفظ يطلق على الطهر والحيض معا ، فهو على ما قيل من الأضداد ، غير أن الأصل في مادة قرء هو الجمع لكن لا كل جمع بل الجمع الذي يتلوه الصرف والتحويل ونحوه ، وعلى هذا فالأظهر أن يكون معناه الطهر لكونه حالة جمع الدم ثم استعمل في الحيض لكونه حالة قذفه بعد الجمع ، وبهذه العناية أطلق على الجمع بين الحروف للدلالة على معنى القراءة ، وقد صرح أهل اللغة بكون معناه هو الجمع ، ويشعر بأن الأصل في مادة قرء الجمع ، قوله تعالى:"لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرءانه فإذا قرأناه فاتبع قرءانه": القيامة - 18 ، وقوله تعالى:"و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث:"بني إسرائيل - 106 ، حيث عبر تعالى في الآيتين بالقرآن ، ولم يعبر بالكتاب أو الفرقان أو ما يشبههما ، وبه سمي القرآن قرآنا.
قال الراغب في مفرداته: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر ولما كان اسما جامع للأمرين: الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد ، كالمائدة للخوان والطعام ، ثم قد يسمى كل واحد منهما بانفراده به ، وليس القرء اسما للطهر مجردا ولا للحيض مجردا ، بدليل أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها: ذات قرء ، وكذا الحائض التي استمر بها الدم لا يقال لها: ذلك ، انتهى.
قوله تعالى: ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ، المراد به تحريم كتمان المطلقة الدم أو الولد استعجالا في خروج العدة أو إضرارا بالزوج في رجوعه ونحو ذلك وفي تقييده بقوله: إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر مع عدم اشتراط أصل الحكم بالإيمان نوع ترغيب وحث لمطاوعة الحكم والتثبت عليه لما في هذا التقييد من الإشارة إلى أن هذا الحكم من لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر الذي عليه بناء الشريعة الإسلامية فلا استغناء في الإسلام عن هذا الحكم ، وهذا نظير قولنا: أحسن معاشرة الناس إن أردت خيرا ، وقولنا للمريض: عليك بالحمية إن أردت الشفاء والبرء.
قوله تعالى: وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ، البعولة جمع البعل وهو الذكر من الزوجين ما داما زوجين وقد استشعر منه معنى الاستعلاء والقوة والثبات في الشدائد لما أن الرجل كذلك بالنسبة إلى المرأة ثم جعل أصلا يشتق منه الألفاظ بهذا المعنى فقيل لراكب الدابة بعلها ، وللأرض المستعلية بعل ، وللصنم بعل ، وللنخل إذا عظم بعل ونحو ذلك.