قوله تعالى:"إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب"إلى آخر الآية حال الظرف في أول الآية كحال الظرف في قوله:"إذ تستغيثون ربكم"وقوله:"إذ يغشيكم النعاس"ومعنى الآية ظاهر.
وأما قوله:"فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان"فالظاهر أن يكون المراد بفوق الأعناق الرءوس وبكل بنان جميع الأطراف من اليدين والرجلين أو أصابع الأيدي لئلا يطيقوا حمل السلاح بها والقبض عليه.
ومن الجائز أن يكون الخطاب بقوله:"فاضربوا"إلخ للملائكة كما هو المتسابق إلى الذهن ، والمراد بضرب فوق الأعناق وكل بنان ظاهر معناه ، أو الكناية عن إذلالهم وإبطال قوة الإمساك من أيديهم بالإرعاب ، وأن يكون الخطاب للمؤمنين والمراد به تشجيعهم على عدوهم بتثبيت أقدامهم والربط على قلوبهم ، وحثهم وإغراؤهم بالمشركين.
قوله تعالى:"ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب"المشاقة المخالفة وأصله الشق بمعنى البعض كأن المخالف يميل إلى شق غير شق من يخالفه ، والمعنى أن هذا العقاب للمشركين بما أوقع الله بهم ، لأنهم خالفوا الله ورسوله وألحوا وأصروا على ذلك ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب.
قوله تعالى:"ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار"خطاب تشديدي للكفار يشير إلى ما نزل بهم من الخزي ويأمرهم بأن يذوقوه ، ويذكر لهم أن وراء ذلك عذاب النار.
في المجمع ، قال ابن عباس: لما كان يوم بدر واصطف القوم للقتال قال أبو جهل: اللهم أولانا بالنصر فانصره ، واستغاث المسلمون فنزلت الملائكة ونزل قوله:"إذ تستغيثون ربكم"إلى آخره. وقيل: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال يهتف ربه مادا يديه حتى سقط رداؤه من منكبيه فأنزل الله:"إذ تستغيثون ربكم"الآية: عن عمر بن الخطاب والسدي وأبي صالح وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) . قال: ولما أمسى رسول الله وجنه الليل ألقى الله على أصحابه النعاس وكانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل لا تثبت فيه قدم فأنزل الله عليهم المطر رذاذا حتى لبد الأرض وثبت أقدامهم وكان المطر على قريش مثل العزالي ، وألقى الله في قلوبهم الرعب كما قال الله تعالى:"سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب".
أقول: لفظ الآية:"إذ تستغيثون ربكم"إلخ لا يلائم نزولها يوم بدر عقيب استغاثتهم بل السياق يدل على نزولها مع قوله تعالى:"يسألونك عن الأنفال"والآيات التالية له ، وهي تدل على حكاية حال ماضية وامتنانه تعالى على المسلمين بما أنزل عليهم من آيات النصر وتفاريق النعم ليشكروا له ويطيعوه فيما يأمرهم وينهاهم.
ولعل المراد من ذكر نزول الآية بعد ذكر استغاثتهم انطباق مضمون الآية على الواقعة ، وهو كثير النظير في الروايات المشتملة على أسباب النزول.
وفي تفسير البرهان ، عن ابن شهرآشوب: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في العريش: اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد هذا اليوم فنزل:"إذ تستغيثون ربكم"فخرج يقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر فأيده الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، وكثرهم في أعين المشركين ، وقلل المشركين في أعينهم فنزل:"و هم بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالعدوة الدنيا عند القليب."
أقول: والكلام فيه كالكلام في سابقه.
وفي المجمع ،: ذكر البلخي عن الحسن: أن قوله:"و إذ يعدكم الله"الآية نزلت قبل قوله:"كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"وهي في القراءة بعدها.
أقول: وتقدم مدلول إحدى الآيتين على مدلول الأخرى بحسب الوقوع لا يلازم سبقها نزولا ، ولا دليل من جهة السياق يدل على ما ذكره.