فهرس الكتاب

الصفحة 1777 من 4314

قوله تعالى:"إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين"الاستغاثة طلب الغوث وهو النصرة كما في قوله:"فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه:"القصص: - 15 والإمداد معروف ، وقوله:"مردفين"من الإرداف وهو أن يجعل الراكب غيره ردفا له ، والردف التابع ، قال الراغب: الردف التابع ، وردف المرأة عجيزتها ، والترادف: التتابع ، والرادف: المتأخر ، والمردف المقدم الذي أردف غيره.

انتهى.

وبهذا المعنى تلائم الآية ما في قوله تعالى فيما يشير به إلى هذه القصة في سورة آل عمران:"و لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين أ لن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم": آل عمران: - 126.

فإن تطبيق الآيات من السورتين يوضح أن المراد بنزول ألف من الملائكة مردفين نزول ألف منهم يستتبعون آخرين فينطبق الألف المردفون على الثلاثة آلاف المنزلين.

وبذلك يظهر فساد ما قيل: إن المراد بكون الملائكة مردفين كون الألف متبعين ألفا آخر لأن مع كل واحد منهم ردفا له فيكونون ألفين ، وكذا ما قيل: إن المراد كون بعضهم أثر بعض ، وكذا ما قيل: إن المراد مجيئهم على أثر المسلمين بأن يكون مردفين بمعنى رادفين ، وكذا ما قيل: إن المراد إردافهم المسلمين بأن يتقدموا عسكر المسلمين فيلقوا في قلوب الذين كفروا الرعب.

قوله تعالى:"و ما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم"الضميران في قوله:"جعله"وقوله:"به"للإمداد بالملائكة على ما يدل عليه السياق ، والمعنى أن الإمداد بالملائكة إنما كان لغرض البشرى واطمئنان نفوسكم لا ليهلك بأيديهم الكفار كما يشير إليه قوله تعالى بعد:"إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب."

وبذلك يتأيد ما ذكره بعضهم: أن الملائكة لم ينزلوا ليقتلوا المشركين ولا قتلوا منهم أحدا فقد قتل ثلث المقتولين منهم أو النصف علي (عليه السلام) والثلثين الباقين أو النصف سائر المسلمين.

وإنما كان للملائكة تكثير سواد المسلمين حينما اختلطوا بالقوم وتثبيت قلوب المسلمين ، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين ، وسيجيء بعض الكلام في ذلك.

وقوله:"و ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم"بيان انحصار حقيقة النصر فيه تعالى وأنه لو كان بكثرة العدد والقوة والشوكة كانت الدائرة يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة والقوة على المسلمين على ما بهم من القلة والضعف.

وقد علل بقوله:"إن الله عزيز حكيم"جميع مضمون الآية وما يتعلق به من الآية السابقة فبعزته نصرهم وأمدهم ، وبحكمته جعل نصره على هذه الشاكلة.

قوله تعالى:"إذ يغشيكم النعاس أمنة منه"إلى آخر الآية.

النعاس أول النوم وهو خفيفة والتغشية الإحاطة ، والأمنة الأمان ، وقوله:"منه"أي من الله وقيل: أي من العدو ، والرجز هو الرجس والقذارة ، والمراد برجز الشيطان القذارة التي يطرأ القلب من وسوسته وتسويله.

ومعنى الآية: أن النصر والإمداد بالبشرى واطمئنان القلوب كان في وقت يأخذكم النعاس للأمن الذي أفاضه الله على قلوبكم فنمتم ولو كنتم خائفين مرتاعين لم يأخذكم نعاس ولا نوم ، وينزل عليكم المطر ليطهركم به ويذهب عنكم وسوسة الشيطان وليربط على قلوبكم ويشد عليها - وهو كناية عن التشجيع - وليثبت بالمطر أقدامكم في الحرب بتلبد الرمل أو بثبات القلوب.

والآية تؤيد ما ورد أن المسلمين سبقهم المشركون إلى الماء فنزلوا على كثيب رمل ، وأصبحوا محدثين ومجنبين ، وأصابهم الضمأ ، ووسوس إليهم الشيطان فقال: إن عدوكم قد سبقكم إلى الماء ، وأنتم تصلون مع الجنابة والحدث وتسوخ أقدامكم في الرمل فأمطر عليهم الله حتى اغتسلوا به من الجنابة ، وتطهروا به من الحدث ، وتلبدت به أرضهم ، وأوحلت أرض عدوهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت