فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 4314

5 سورة المائدة - 55 - 56

إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسولُهُ وَالّذِينَ ءَامَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَوةَ وَهُمْ رَكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسولَهُ وَالّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنّ حِزْب اللّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ (56)

الآيتان - كما ترى - موضوعتان بين آيات تنهى عن ولاية أهل الكتاب والكفار ، ولذلك رام جماعة من مفسري القوم إشراكهما مع ما قبلهما وما بعدهما من حيث السياق ، وجعل الجميع ذات سياق واحد يقصد به بيان وظيفة المؤمنين في أمر ولاية الأشخاص ولاية النصرة ، والنهي عن ولاية اليهود والنصارى والكفار ، وقصر الولاية في الله سبحانه ورسوله والمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، وهؤلاء هم المؤمنون حقا فيخرج بذلك المنافقون والذين في قلوبهم مرض ، ويبقى على وجوب الولاية المؤمنون حقا ، وتكون الآية دالة على مثل ما يدل عليه مجموع قوله تعالى:"و الله ولي المؤمنين":"آل عمران - 68"، وقوله تعالى:"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم":"الأحزاب: 6"، وقوله تعالى في المؤمنين:"أولئك بعضهم أولياء بعض": الأنفال: 72"، وقوله تعالى:"و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"الآية:"التوبة - 71"."

فمحصل الآية جعل ولاية النصرة لله ولرسوله والمؤمنين على المؤمنين.

نعم يبقى هناك إشكال الجملة الحالية التي يتعقبها قوله:"و يؤتون الزكاة"وهي قوله:"و هم راكعون"ويرتفع الإشكال بحمل الركوع على معناه المجازي وهو مطلق الخضوع لله سبحانه أو انحطاط الحال لفقر ونحوه ، ويعود معنى الآية إلى أنه ليس أولياؤكم اليهود والنصارى والمنافقين بل أولياؤكم الله ورسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، وهم في جميع هذه الأحوال خاضعون لساحة الربوبية بالسمع والطاعة ، أو أنهم يؤتون الزكاة وهم فقراء معسرون هذا.

لكن التدبر واستيفاء النظر في الآيتين وما يحفهما من آيات ثم في أمر السورة يعطي خلاف ما ذكروه ، وأول ما يفسد من كلامهم ما ذكروه من أمر وحدة سياق الآيات ، وأن غرض الآيات التعرض لأمر ولاية النصرة ، وتمييز الحق منها من غير الحق فإن السورة وإن كان من المسلم نزولها في آخر عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع لكن من المسلم أيضا أن جميع آياتها لم تنزل دفعة واحدة ففي خلالها آيات لا شبهة في نزولها قبل ذلك ، ومضامينها تشهد بذلك ، وما ورد فيها من أسباب النزول يؤيده فليس مجرد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدل على وحدة السياق ، ولا أن بعض المناسبة بين آية وآية يدل على نزولهما معا دفعة واحدة أو اتحادهما في السياق.

على أن الآيات السابقة أعني قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض""إلخ"، تنهى المؤمنين عن ولاية اليهود والنصارى ، وتعير المنافقين والذين في قلوبهم مرض بالمسارعة إليهم ورعاية جانبهم من غير أن يرتبط الكلام بمخاطبة اليهود والنصارى وإسماعهم الحديث بوجه بخلاف الآيات التالية أعني قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء""إلخ"، فإنها تنهى عن ولايتهم وتتعرض لحالهم بالأمر بمخاطبتهم ثم يعيرهم بالنفاق والفسق فالغرض في القبيلين من الآيات السابقة واللاحقة مختلف ، ومعه كيف يتحد السياق؟!.

على أنك قد عرفت في البحث عن الآيات السابقة أعني قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"الآيات أن ولاية النصرة لا تلائم سياقها ، وأن خصوصيات الآيات والعقود المأخوذة فيها وخاصة قوله:"بعضهم أولياء بعض"وقوله:"و من يتولهم منكم فإنه منهم"لا تناسبها فإن عقد ولاية النصرة واشتراطها بين قومين لا يوجب صيرورة أحدهما الآخر ولحوقه به ، ولا أنه يصح تعليل النهي عن هذا العقد بأن القوم الفلاني بعضهم أولياء بعض بخلاف عقد ولاية المودة التي توجب الامتزاج النفسي والروحي بين الطرفين ، وتبيح لأحدهما التصرف الروحي والجسمي في شئون الآخر الحيوية وتقارب الجماعتين في الأخلاق والأعمال الذي يذهب بالخصائص القومية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت