على أنه ليس من الجائز أن يعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليا للمؤمنين بمعنى ولاية النصرة بخلاف العكس فإن هذه النصرة التي يعتني بأمرها الله سبحانه ، ويذكرها القرآن الكريم في كثير من آياته هي النصرة في الدين وحينئذ يصح أن يقال: إن الدين لله بمعنى أنه جاعله وشارع شرائعه فيندب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو المؤمنون أو هما جميعا إلى نصرته أو يدعوا أنصارا لله في ما شرعه من الدين كقوله تعالى:"قال الحواريون نحن أنصار الله": الصف: 14"، وقوله تعالى:"إن تنصروا الله ينصركم":"محمد: 7"، وقوله تعالى:"و إذ أخذ الله ميثاق النبيين - إلى أن قال: لتؤمنن به ولتنصرنه":"آل عمران: 81"، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة."
ويصح أن يقال: إن الدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعنى أنه الداعي إليه والمبلغ له مثلا ، أو إن الدين لله ولرسوله بمعنى التشريع والهداية فيدعى الناس إلى النصرة ، أو يمدح المؤمنون بالنصرة كقوله تعالى:"و عزروه ونصروه"،: "الأعراف: 175"، وقوله تعالى:"و ينصرون الله ورسوله":"الحشر: 8"، وقوله تعالى:"و الذين آووا ونصروا": الأنفال: 72"، إلى غير ذلك من الآيات."
ويصح أن يقال: إن الدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين جميعا ، بمعنى أنهم المكلفون بشرائعه العاملون به فيذكر أن الله سبحانه وليهم وناصرهم كقوله تعالى: "و لينصرن الله من ينصره":"الحج: 40"، وقوله تعالى:"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد":"غافر: 51"، وقوله تعالى:"و كان حقا علينا نصر المؤمنين":"الروم - 47" إلى غير ذلك من الآيات.
لكن لا يصح أن يفرد الدين بوجه للمؤمنين خاصة ، ويجعلوا أصلا فيه والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعزل عن ذلك ، ثم يعد (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصرا لهم فيما لهم ، إذ ما من كرامة دينية إلا هو مشاركهم فيها أحسن مشاركة ، ومساهمهم أفضل سهام ولذلك لا نجد القرآن يعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصرا للمؤمنين ولا في آية واحدة ، وحاشا ساحة الكلام الإلهي أن يساهل في رعاية أدبه البارع.
وهذا من أقوى الدليل على أن المراد بما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الولاية في القرآن هو ولاية التصرف أو الحب والمودة كقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم": الأحزاب: 6"، وقوله تعالى:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا" الآية ، فإن الخطاب للمؤمنين ، ولا معنى لعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليا لهم ولاية النصرة كما عرفت.
فقد ظهر أن الآيتين أعني قوله تعالى:"إنما وليكم الله ورسوله"إلى آخر الآيتين لا تشاركان السياق السابق عليهما لو فرض أنه متعرض لحال ولاية النصرة ، ولا يغرنك قوله تعالى في آخر الآية الثانية:"فإن حزب الله هم الغالبون"، فإن الغلبة كما تناسب الولاية بمعنى النصرة ، كذلك تناسب ولاية التصرف وكذا ولاية المحبة والمودة ، والغلبة الدينية التي هي آخر بغية أهل الدين تتحصل باتصال المؤمنين بالله ورسوله بأي وسيلة تمت وحصلت ، وقد قرع الله سبحانه أسماعهم ذلك بصريح وعده حيث قال: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي":"المجادلة: 21" ، وقال:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:"الصافات: 137"."
على أن الروايات متكاثرة من طرق الشيعة وأهل السنة على أن الآيتين نازلتان في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لما تصدق بخاتمه وهو في الصلاة ، فالآيتان خاصتان غير عامتين ، وسيجيء نقل جل ما ورد من الروايات في ذلك في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى.
ولو صح الإعراض في تفسير آية بالأسباب المأثورة عن مثل هذه الروايات على تكاثرها وتراكمها لم يصح الركون إلى شيء من أسباب النزول المأثورة في شيء من آيات القرآن وهو ظاهر ، فلا وجه لحمل الآيتين على إرادة ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بجعلها عامة.