نعم استشكلوا في الروايات - ولم يكن ينبغي أن يستشكل فيها مع ما فيها من الكثرة البالغة - أولا: بأنها تنافي سياق الآيات الظاهر في ولاية النصرة كما تقدمت الإشارة إليه وثانيا: أن لازمها إطلاق الجمع وإرادة الواحد فإن المراد بالذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة"إلخ"، على هذا التقدير هو علي ولا يساعده اللغة ، وثالثا: أن لازمها كون المراد بالزكاة هو التصدق بالخاتم ، ولا يسمى ذلك زكاة.
قالوا: فالمتعين أن تؤخذ الآية عامة ، وتكون مسوقة لمثل قصر القلب أو الإفراد فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب ويؤكدونها ، فنهى الله عن ذلك وذكر أن أولياءهم إنما هم الله ورسوله والمؤمنون حقا دون أهل الكتاب والمنافقين.
ولا يبقى إلا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله:"و هم راكعون"ويندفع بحمل الركوع على معناه المجازي ، وهو الخضوع لله أو الفقر ورثاثة الحال ، هذا ما استشكلوه.
لكن التدبر في الآية وما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة جميعا: أما وقوع الآية في سياق ولاية النصرة ، ولزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أن الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلا ، ولو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض.
وأما حديث لزوم إطلاق الجمع وإرادة الواحد في قوله:"و الذين آمنوا""إلخ"، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه ، وأنه فرق بين إطلاق لفظ الجمع وإرادة الواحد واستعماله فيه ، وبين إعطاء حكم كلي أو الإخبار بمعرف جمعي في لفظ الجمع لينطبق على من يصح أن ينطبق عليه ، ثم لا يكون المصداق الذي يصح أن ينطبق عليه إلا واحدا فردا واللغة تأبى عن قبول الأول دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات.
وليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة - إلى أن قال: - تسرون إليهم بالمودة"الآية:"الممتحنة: 1"، وقد صح أن المراد به حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا؟ وقوله تعالى:"يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل": المنافقون: 8 ، وقد صح أن القائل به عبد الله بن أبي بن سلول؟ وقوله تعالى:"يسألونك ما ذا ينفقون": البقرة: 251"والسائل عنه واحد؟ ، وقوله تعالى:"الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية": البقرة: 247"وقد ورد أن المنفق كان عليا أو أبا بكر؟ إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة.
وأعجب من الجميع قوله تعالى:"يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"والقائل هو عبد الله بن أبي ، على ما رووا في سبب نزوله وتلقوه بالقبول ، والآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها.
فإن قيل: إن هذه الموارد لا تخلو عن أناس كانوا يرون رأيهم أو يرضون بفعالهم فعبر الله تعالى عنهم وعمن يلحق بهم بصيغة الجمع.
قيل: إن محصله جواز ذلك في اللغة لنكتة مجوزة فليجر الآية أعني قوله:"و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"هذا المجرى ، ولتكن النكتة هي الإشارة إلى أن أنواع الكرامات الدينية - ومنها الولاية المذكورة في الآية - ليست موقوفة على بعض المؤمنين دون بعض وقفا جزافيا وإنما يتبع التقدم في الإخلاص والعمل لا غير.
على أن جل الناقلين لهذه الأخبار هم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والتابعون المتصلون بهم زمانا وهم من زمرة العرب العرباء الذين لم تفسد لغتهم ولم تختلط ألسنتهم ولو كان هذا النحو من الاستعمال لا تبيحه اللغة ولا يعهده أهلها لم تقبله طباعهم ، ولكانوا أحق باستشكاله والاعتراض عليه ، ولم يؤثر من أحد منهم ذلك.