فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 4314

و لنرجع إلى ما كنا فيه من الكلام في قوله تعالى: وترزق من تشاء بغير حساب فنقول توصيف الرزق بكونه بغير حساب إنما هو لكون الرزق منه تعالى بالنظر إلى حال المرزوقين بلا عوض ولا استحقاق لكون ما عندهم من استدعاء أو طلب أو غير ذلك مملوكا له تعالى محضا فلا يقابل عطيته منهم شيء فلا حساب لرزقه تعالى.

وأما كون نفي الحساب راجعا إلى التقدير بمعنى كونه غير محدود ولا مقدر فيدفعه آيات القدر كقوله تعالى:"إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر - 49 ، وقوله:"و من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا": الطلاق - 3 ، فالرزق منه تعالى عطية بلا عوض لكنه مقدر على ما يريده تعالى.

وقد تحصل من الآيتين أولا أن الملك بضم الميم كله لله كما أن الملك بكسر الميم كله لله.

وثانيا: أن الخير كله بيده ومنه تعالى.

وثالثا: أن الرزق عطية منه تعالى بلا عوض واستحقاق.

ورابعا أن الملك والعزة وكل خير اعتباري من خيرات الاجتماع كالمال والجاه والقوة وغير ذلك كل ذلك من الرزق المرزوق.

في الكافي ، عن عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: قل اللهم مالك الملك - تؤتي الملك من تشاء - وتنزع الملك ممن تشاء أ ليس قد آتى الله بني أمية الملك؟ قال: ليس حيث تذهب ، إن الله عز وجل آتانا الملك ، وأخذته بني أمية بمنزلة الرجل يكون له الثوب فيأخذه الآخر فليس هو للذي أخذه: أقول: وروى مثله العياشي عن داود بن فرقد عنه (عليه السلام) : وإيتاء الملك على ما تقدم بيانه يكون على وجهين إيتاء تكويني ، وهو انبساط السلطنة على الناس ، ونفوذ القدرة فيهم ، سواء كان ذلك بالعدل أو بالظلم كما قال تعالى في نمرود:"أن آتاه الله الملك"وأثره نفوذ الكلمة ومضي الأمر والإرادة ، وسنبحث عن معنى كونه تكوينيا ، وإيتاء تشريعي ، وهو القضاء بكونه ملكا مفترض الطاعة كما قال تعالى:"إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا": البقرة - 247 ، وأثره افتراض الطاعة ، وثبوت الولاية ، ولا يكون إلا العدل ، وهو مقام محمود عند الله سبحانه ، والذي كان لبني أمية من الملك هو المعنى الأول وأثره وقد اشتبه الأمر على راوي الحديث فأخذ ملكهم بالمعنى الأول وأخذ معه أثر المعنى الثاني وهو المقام الشرعي ، والحمد الديني فنبهه (عليه السلام) أن الملك بهذا المعنى ليس لبني أمية بل هو لهم ولهم أثره ، وبعبارة أخرى: الملك الذي لبني أمية إنما يكون محمودا إذا كان في أيديهم (عليهم السلام) ، وأما في أيدي بني أمية فليس إلا مذموما لأنه مغصوب وعلى هذا فلا ينسب إلى إيتاء الله إلا بنحو المكر والاستدراج كما في ملك نمرود وفرعون.

وقد اشتبه الأمر على هؤلاء أنفسهم أعني بني أمية في هذه الآية ففي الإرشاد ، في قصة إشخاص يزيد بن معاوية رءوس شهداء الطف قال المفيد: ولما وضعت الرءوس وفيها رأس الحسين (عليه السلام) قال يزيد: نفلق هاما من رجال أعزة.

علينا وهم كانوا أعق وأظلما.

قال: ثم أقبل على أهل مجلسه فقال: إن هذا كان يفخر علي ويقول: أبي خير من أب يزيد ، وأمي خير من أمه ، وجدي خير من جده ، وأنا خير منه فهذا الذي قتله فأما قوله بأن أبي خير من أب يزيد فلقد حاج أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه ، وأما قوله بأن أمي خير من أم يزيد فلعمري لقد صدق إن فاطمة بنت رسول الله خير من أمي ، وأما قوله: جدي خير من جده فليس لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول بأنه خير من محمد ، وأما قوله بأنه خير مني فلعله لم يقرأ هذه الآية: قل اللهم مالك الملك الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت