فهرس الكتاب

الصفحة 1153 من 4314

و أما كون المراد بعدم الهداية هو عدم الهداية إلى الإيمان فغير صحيح البتة لمنافاته أصل التبليغ والدعوة فلا يستقيم أن يقال: ادعهم إلى الله أو إلى حكم الله وأنا لا أهديهم إليه إلا في مورد إتمام الحجة محضا.

على أن الله سبحانه قد هدى ولا يزال يهدي كثيرين من الكفار بدليل العيان ، وقد قال أيضا:"و الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم":"البقرة: 231".

فتبين أن المراد بعدم هداية الكافرين عدم تخليتهم لينالوا ما يهمون به من إبطال كلمة الحق وإطفاء نور الحكم المنزل فإن الكافرين وكذا الظالمين والفاسقين يريدون بشامة أنفسهم وضلال رأيهم أن يبدلوا سنة الله الجارية في الخلقة وسياقة الأسباب السالكة إلى مسبباتها ويغيروا مجاري الأسباب الحقة الظاهرة عن سمة عصيان رب العالمين إلى غايتهم الفاسدة مقاصدهم الباطلة والله رب العالمين لن يعجزه قواهم الصورية التي لم يودعها فيهم ولم يقدرها في بناهم إلا هو.

فهم ربما تقدموا في مساعيهم أحيانا ونالوا ما راموه أوينات واستعلوا واستقام أمرهم برهة لكنه لا يلبث دون أن يبطل أخيرا وينقلب عليهم مكرهم ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله ، وكذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الباطل فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

وعلى هذا فقوله:"إن الله لا يهدي القوم الكافرين"تفسير قوله:"و الله يعصمك من الناس"بالتصرف في سعة إطلاقه ، ويكون المراد بالعصمة عصمته (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يناله الناس بسوء دون أن ينال بغيته في تبليغ هذا الحكم وتقريره بين الأمة كأن يقتلوه دون أن يبلغه أو يثوروا عليه ويقلبوا عليه الأمور أو يتهموه بما يرتد به المؤمنون عن دينه ، أو يكيدوا كيدا يميت هذا الحكم ويقبره بل الله يظهر كلمة الحق ويقيم الدين على ما شاء وأينما شاء ومتى ما شاء ، وفيمن شاء قال تعالى:"إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا":"النساء: 133".

وأما أخذ الآية أعني قوله:"و الله يعصمك من الناس"بإطلاقه على ما فيه من السعة والشمول فمما ينافيه القرآن والمأثور من الحديث والتاريخ القطعي ، وقد نال (صلى الله عليه وآله وسلم) من أمته أعم من كفارهم ومؤمنيهم ومنافقيهم من المصائب والمحن وأنواع الزجر والأذى ما ليس في وسع أحد أن يتحمله إلا نفسه الشريفة ، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في الحديث المشهور: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت قط.

في تفسير العياشي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله تعالى نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينصب عليا علما في الناس ليخبرهم بولايته فتخوف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقولوا: خابى ابن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه. قال: فأوحى الله إليه هذه الآية:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس"فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بولايته يوم غدير خم.

وفيه ، عن حنان بن سدير ، عن أبيه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما نزل جبرئيل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع بإعلان أمر علي بن أبي طالب (عليه السلام) "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك"إلى آخر الآية قال: فمكث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثا حتى أتى الجحفة فلم يأخذ بيده فرقا من الناس. فلما نزل الجحفة يوم غدير في مكان يقال له"مهيعة"فنادى: الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أولى بكم من أنفسكم؟ فجهروا فقالوا: الله ورسوله ثم قال لهم الثانية ، فقالوا: الله ورسوله ، ثم قال لهم الثالثة ، فقالوا: الله ورسوله. فأخذ بيد علي (عليه السلام) فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله فإنه مني وأنا منه ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت