و العصمة شبه السوار ، والمعصم موضعها من اليد ، وقيل للبياض بالرسغ عصمة تشبيها بالسوار ، وذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلا ، وعلى هذا قيل: غراب أعصم ، انتهى.
وما ذكره من معنى عصمة الأنبياء حسن لا بأس به غير أنه لا ينطبق على الآية"و الله يعصمك من الناس"بل لو انطبق فإنما ينطبق على مثل قوله:"و ما يغرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما":"النساء: 131".
وأما قوله:"و الله يعصمك من الناس"فإن ظاهره أنها عصمة بمعنى الحفظ والوقاية من شر الناس المتوجه إلى نفس النبي الشريفة أو مقاصده الدينية أو نجاح تبليغه وفلاح سعيه ، وبالجملة المعنى المناسب لساحته المقدسة.
وكيف كان فالمتحصل من موارد استعمال الكلمة أنها بمعنى الإمساك والقبض فاستعماله في معنى الحفظ من قبيل استعارة اللازم لملزومه فإن الحفظ يلزمه القبض.
وكان تعليق العصمة بالناس من دون بيان أن العصمة من أي شأن من شئون الناس كتعدياتهم بالإيذاء في الجسم من قتل أو سم أو أي اغتيال ، أو بالقول كالسب والافتراء ، أو بغير ذلك كتقليب الأمور بنوع من المكر والخديعة والمكيدة وبالجملة السكوت عن تشخيص ما يعصم منه لإفادة نوع من التعميم ، ولكن الذي لا يعدو عنه السياق هو شرهم الذي يوجب انقلاب الأمر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث يسقط بذلك ما رفعه من أعلام الدين.
والناس مطلق من وجد فيه معنى الإنسانية من دون أن يعتبر شيء من خصوصياته الطبيعية التكوينية كالذكورة والأنوثة أو غير الطبيعية كالعلم والفضل والغنى وغير ذلك.
ولذلك قل ما ينطبق على غير الجماعة ، ولذلك أيضا ربما دل على الفضلاء من الإنسان إذا كان الفضل روعي فيه وجود معنى الإنسانية كقوله تعالى:"إذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس"أي الذين وجد فيهم معنى الإنسانية ، وهو ملاك درك الحق وتمييزه من الباطل.
وربما كان دالا على نوع من الخسة وسقوط الحال ، وذلك إذا كان الأمر الذي يتكلم فيه مما يحتاج إلى اعتبار شيء من الفضائل الإنسانية التي اعتبرت زائدة على أصل معنى النوع كقوله:"و لكن أكثر الناس لا يعلمون":"الروم: 30"وكقولك: لا تثق بمواعيد الناس ، ولا تستظهر بسوادهم نظرا منك إلى أن الوثوق والاستظهار يجب أن يتعلقا بالفضلاء من الإنسان ذوي ملكة الوفاء بالعهد والثبات على العزيمة لا على من ليس له إلا مجرد صدق اسم الإنسانية ، وربما لم يفد شيئا من مدح أو ذم إذا تعلق الغرض بما لا يزيد على أصل معنى الإنسانية كقوله تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم":"الحجرات: 13".
ولعل قوله:"و الله يعصمك من الناس"أخذ فيه لفظ الناس اعتبارا بسواد الأفراد الذي فيه المؤمن والمنافق والذي في قلبه مرض ، وقد اختلطوا من دون تمايز ، فإذا خيف خيف من عامتهم ، وربما أشعر به قوله:"إن الله لا يهدي القوم الكافرين"فإن الجملة في مقام التعليل لقوله:"و الله يعصمك من الناس"وقد تقدم أيضا أن الآية نزلت بعد الهجرة وظهور شوكة ، الإسلام وكان السواد الأعظم من الناس مسلمين بحسب الظاهر وإن كان فيهم المنافقون وغيرهم.
فالمراد بالقوم الكافرين قوم هم في الناس مذكوري النعت ممحوي الاسم وعد الله سبحانه أن يبطل كيدهم ويعصم رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شرهم.
والظاهر أيضا أن يكون المراد بالكفر الكفر بآية من آيات الله وهو الحكم المراد بقوله:"ما أنزل إليك من ربك"، كما في قوله في آية الحج:"و من كفر فإن الله غني عن العالمين": آل عمران: 97" ، وأما الكفر بمعنى الاستكبار عن أصل الشهادتين فإنه مما لا يناسب مورد الآية البتة إلا على القول بكون المراد بقوله:"ما أنزل إليك من ربك"مجموع رسالات الدين ، وقد عرفت عدم استقامته."
والمراد بعدم هدايته تعالى هؤلاء القوم الكافرين عدم هدايته إياهم في كيدهم ومكرهم ، ومنعه الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم إلى ما يرومونه من الشر والفساد نظير قوله تعالى:"إن الله لا يهدي القوم الفاسقين": المنافقون: 6"، وقوله تعالى:"و الله لا يهدي القوم الظالمين": البقرة: 285"، وقد تقدم البحث عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.