2 سورة البقرة - 83 - 88
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنى إِسرءِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِى الْقُرْبى وَالْيَتَمَى وَالْمَسكينِ وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسنًا وَأَقِيمُوا الصلَوةَ وَءَاتُوا الزّكوةَ ثمّ تَوَلّيْتُمْ إِلا قَلِيلًا مِّنكمْ وَأَنتُم مّعْرِضونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لا تَسفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تخْرِجُونَ أَنفُسكُم مِّن دِيَرِكُمْ ثمّ أَقْرَرْتمْ وَأَنتُمْ تَشهَدُونَ (84) ثُمّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسكُمْ وَتخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَرِهِمْ تَظهَرُونَ عَلَيْهِم بِالاثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسرَى تُفَدُوهُمْ وَهُوَ محَرّمٌ عَلَيْكمْ إِخْرَاجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِك مِنكمْ إِلا خِزْىٌ في الْحَيَوةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدّونَ إِلى أَشدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَفِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئك الّذِينَ اشترَوُا الْحَيَوةَ الدّنْيَا بِالاَخِرَةِ فَلا يخَفّف عَنهُمُ الْعَذَاب وَلا هُمْ يُنصرُونَ (86) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسى الْكِتَب وَقَفّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرّسلِ وَءَاتَيْنَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَأَيّدْنَهُ بِرُوح الْقُدُسِ أَ فَكلّمَا جَاءَكُمْ رَسولُ بِمَا لا تهْوَى أَنفُسكُمُ استَكْبرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْف بَل لّعَنهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مّا يُؤْمِنُونَ (88)
قوله تعالى: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ، الآية في بديع نظمها تبتدىء أولا بالغيبة وتنتهي إلى الخطاب حيث تقول: ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون ، ثم إنها تذكر أولا الميثاق وهو أخذ للعهد ، ولا يكون إلا بالقول ، ثم تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدىء ، فيه بالخبر ، حيث تقول: لا تعبدون إلا الله ، وتختتم بالإنشاء حيث تقول وقولوا للناس حسنا إلخ.
ولعل الوجه في ذلك كله أن الآيات المتعرضة لحال بني إسرائيل لما بدئت بالخطاب لمكان اشتمالها على التقريع والتوبيخ وجرت عليه كان سياق الكلام فيها الخطاب ثم لما تبدل الخطاب بالغيبة بعد قصة البقرة لنكتة داعية إليها كما مر حتى انتهت إلى هذه الآية ، فبدئت أيضا بالغيبة لكن الميثاق حيث كان بالقول وبني على حكايته حكي بالخطاب فقيل: لا تعبدون إلا الله إلخ ، وهو نهي في صورة الخبر.
وإنما فعل ذلك دلالة على شدة الاهتمام به ، كان الناهي لا يشك في عدم تحقق ما نهى عنه في الخارج ، ولا يرتاب في أن المكلف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه ، فلا يوقع الفعل قطعا وكذا قوله: وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين ، كل ذلك أمر في صورة الخبر.
ثم إن الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل الكلام ، وهو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله: وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة ثم توليتم إلخ وانتظم بذلك السياق.
قوله تعالى: وبالوالدين إحسانا ، أمر أو خبر بمعنى الأمر والتقدير وأحسنوا بالوالدين إحسانا ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، أو التقدير: وتحسنون بالوالدين إحسانا ، إلخ ، وقد رتب موارد الإحسان أخذا من الأهم والأقرب إلى المهم والأبعد فقرابة الإنسان أقرب إليه من غيرهم ، والوالدان وهما الأصل الذي تتكي عليه وتقوم به شجرة وجوده أقرب من غيرهما من الأرحام ، وفي غير القرابة أيضا اليتامى أحق بالإحسان لصغرهم وفقدهم من يقوم بأمرهم من المساكين.
هذا وقوله: واليتامى ، اليتيم من مات أبوه ، ولا يقال لمن ماتت أمه يتيم.
وقيل اليتيم في الإنسان إنما تكون من جهة الأب وفي غير الإنسان من سائر الحيوان من جهة الأم وقوله تعالى: والمساكين ، جمع مسكين وهو الفقير العادم الذليل.
وقوله تعالى: حسنا مصدر بمعنى الصفة جيء به للمبالغة.
وفي بعض القراءات حسنا ، بفتح الحاء والسين صفة مشبهة.