قوله تعالى:"أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم"إلى آخر الآية ، قال في المفردات ،: وقوله تعالى:"من وجدكم"أي تمكنكم وقدر غناكم ، ويعبر عن الغنى بالوجدان والجدة ، وقد حكي فيه الوجد والوجد والوجد - بالحركات الثلاث في الواو - انتهى.
وضمير"هن"للمطلقات على ما يؤيده السياق ، والمعنى: اسكنوا المطلقات من حيث سكنتم من المساكن على قدر تمكنكم وغناكم على الموسر قدره وعلى المعسر قدره.
وقوله:"و لا تضاروهن لتضيقوا عليهن"أي لا توجهوا إليهن ضررا يشق عليهن تحمله من حيث السكنى والكسوة والنفقة لتوردوا الضيق والحرج عليهن.
وقوله:"و إن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن"معناه ظاهر.
وقوله:"فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن"فلهن عليكم أجر الرضاعة وهو من نفقة الولد التي على الوالد.
وقوله:"و ائتمروا بينكم بمعروف"الائتمار بشيء تشاور القوم فيه بحيث يأمر بعضهم فيه بعضا ، وهو خطاب للرجل والمرأة أي تشاوروا في أمر الولد وتوافقوا في معروف من العادة بحيث لا يتضرر الرجل بزيادة الأجر الذي ينفقه ولا المرأة بنقيصته ولا الولد بنقص مدة الرضاع إلى غير ذلك.
وقوله:"و إن تعاسرتم فسترضع له أخرى"أي وإن أراد كل منكم من الآخر ما فيه عسر واختلفتم فسترضع الولد امرأة أخرى أجنبية غير والدته أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي.
قوله تعالى:"لينفق ذو سعة من سعته"الإنفاق من سعة هو التوسعة في الإنفاق وهو أمر لأهل السعة بأن يوسعوا على نسائهم المطلقات المرضعات أولادهم.
وقوله:"و من قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله"قدر الرزق ضيقه ، والإيتاء الإعطاء ، والمعنى: ومن ضاق عليه رزقه وكان فقيرا لا يتمكن من التوسع في الإنفاق فلينفق على قدر ما أعطاه الله من المال أي فلينفق على قدر تمكنه.
وقوله:"لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها"أي لا يكلف الله نفسا إلا بقدر ما أعطاها من القدرة فالجملة تنفي الحرج من التكاليف الإلهية ومنها إنفاق المطلقة.
وقوله:"سيجعل الله بعد عسر يسرا"فيه بشرى وتسلية.
في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين.
أقول: سورة النساء القصرى هي سورة الطلاق.
وفيه ، أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فتغيظ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال: ليراجعها ثم يمسها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ، وقرأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء - فطلقوهن في قبل عدتهن".
أقول: قوله:"في قبل عدتهن"قراءة ابن عمر وما في المصحف"لعدتهن".
وفيه ، أخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله:"لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا"قال: في حفصة بنت عمر طلقها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدة فنزلت"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء إلى قوله يحدث بعد ذلك أمرا"قال: فراجعها.