و عند ذلك ينجيه الله من مضيق الوهم وسجن الشرك بالتعلق بالأسباب الظاهرية"و يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب"أما الرزق المادي فإنه كان يرى ذلك من عطايا سعيه والأسباب الظاهرية التي كان يطمئن إليها وما كان يعلم من الأسباب إلا قليلا من كثير كقبس من نار يضيء للإنسان في الليلة الظلماء موضع قدمه وهو غافل عما وراءه ، لكن الله سبحانه محيط بالأسباب وهو الناظم لها ينظمها كيف يشاء ويأذن في تأثير ما لا علم له به من خباياها.
وأما الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي يعيش به النفس الإنسانية وتبقى فهو مما لم يكن يحتسبه ولا يحتسب طريق وروده عليه.
وبالجملة هو سبحانه يتولى أمره ويخرجه من مهبط الهلاك ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئا لأنه توكل على الله وفوض إلى ربه ما كان لنفسه"و من يتوكل على الله فهو حسبه"دون سائر الأسباب الظاهرية التي تخطىء تارة وتصيب أخرى"إن الله بالغ أمره"لأن الأمور محدودة محاطة له تعالى و"قد جعل الله لكل شيء قدرا"فهو غير خارج عن قدره الذي قدره به.
وهذا نصيب الصالحين من الأولياء من هذه الآية.
وأما من هو دونهم من المؤمنين المتوسطين من أهل التقوى النازلة درجاتهم من حيث المعرفة والعمل فلهم من ولاية الله ما يلائم حالهم في إخلاص الإيمان والعمل الصالح وقد قال تعالى وأطلق:"و الله ولي المؤمنين": آل عمران: 68 ، وقال وأطلق:"و الله ولي المتقين": الجاثية: 19.
وتدينهم بدين الحق وهي سنة الحياة وورودهم وصدورهم في الأمور عن إرادته تعالى هو تقوى الله والتوكل عليه بوضع إرادته تعالى موضع إرادة أنفسهم فينالون من سعادة الحياة بحسبه ويجعل الله لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون ، وحسبهم ربهم فهو بالغ أمره وقد جعل لكل شيء قدرا.
وعليهم من حرمان السعادة قدر ما دب من الشرك في إيمانهم وعملهم وقد قال تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106 ، وقال وأطلق:"إن الله لا يغفر أن يشرك به": النساء: 48.
وقال:"و إني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا": طه: 82 ، أي لمن تاب من الشرك وقال وأطلق:"و استغفروا الله إن الله غفور رحيم": المزمل: 20.
فلا يرقى المؤمن إلى درجة من درجات ولاية الله إلا بالتوبة من خفي الشرك الذي دونها.
والآية من غرر الآيات القرآنية وللمفسرين في جملها كلمات متشتتة أضربنا عنها.
قوله تعالى:"و اللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر"المراد بالارتياب الشك في يأسهن من المحيض أ هو لكبر أم لعارض ، فالمعنى: واللائي يئسن من المحيض من نسائكم وشككتم في أمر يأسهن أ هو لبلوغ سنهن سن اليأس أم لعارض فعدتهن ثلاثة أشهر.
وقوله:"و اللائي لم يحضن"عطف على قوله:"و اللائي يئسن"إلخ ، والمعنى: واللائي لم يحضن وهو في سن من تحيض فعدتهن ثلاثة أشهر.
وقوله:"و أولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن"أي منتهى زمان عدتهن وضع الحمل.
وقوله:"و من يتق الله يجعل له من أمره يسرا"أي يسهل عليه ما يستقبله من الشدائد والمشاق ، وقيل: المراد أنه يسهل عليه أمور الدنيا والآخرة إما بفرج عاجل أو عوض آجل.
قوله تعالى:"ذلك أمر الله أنزله إليكم"أي ما بينه في الآيات المتقدمة حكم الله أنزله إليكم ، وفي قوله:"و من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا"دلالة على أن اتباع الأوامر من التقوى كاجتناب المحرمات ولعله باعتبار أن امتثال الأمر يلازم اجتناب تركه.
وتكفير السيئات سترها بالمغفرة ، والمراد بالسيئات المعاصي الصغيرة فيبقى للتقوى كبائر المعاصي ، ويكون مجموع قوله:"و من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا"في معنى قوله:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما": النساء: 31 ، ومن الآيتين يظهر أن المراد بالمحارم في قوله (عليه السلام) في تعريف التقوى: أنها الورع عن محارم الله المعاصي الكبيرة.
ويظهر أيضا أن مخالفة ما أنزله الله من الأمر في الطلاق والعدة من الكبائر إذ التقوى المذكورة في الآية تشمل ما ذكر من أمر الطلاق والعدة لا محالة فهو غير السيئات المكفرة وإلا اختل معنى الآية.