فهرس الكتاب

الصفحة 4037 من 4314

قوله تعالى:"فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف - إلى قوله - واليوم الآخر"المراد من بلوغهن أجلهن اقترابهن من آخر زمان العدة وإشرافهن عليه ، والمراد بإمساكهن الرجوع على سبيل الاستعارة ، وبمفارقتهن تركهن ليخرجن من العدة ويبن.

والمراد بكون الإمساك بمعروف حسن الصحبة ورعاية ما جعل الله لهن من الحقوق ، وبكون فراقهن بمعروف أيضا استرام الحقوق الشرعية فالتقدير بمعروف من الشرع.

وقوله:"و أشهدوا ذوي عدل منكم"أي أشهدوا على الطلاق رجلين منكم صاحبي عدل ، وقد مر توضيح معنى العدل في تفسير سورة البقرة.

وقوله:"و أقيموا الشهادة لله"تقدم توضيحه في تفسير سورة البقرة.

وقوله:"ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر"أي ما مر من الأمر بتقوى الله وإقامة الشهادة لله والنهي عن تعدي حدود الله أو مجموع ما مر من الأحكام والبعث إلى التقوى والإخلاص في الشهادة والزجر عن تعدي حدود الله يوعظ به المؤمنون ليركنوا إلى الحق وينقلعوا عن الباطل ، وفيه إيهام أن في الإعراض عن هذه الأحكام أو تغييرها خروجا من الإيمان.

قوله تعالى:"و من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب - إلى قوله - قدرا"أي"و من يتق الله"ويتورع عن محارمه ولم يتعد حدوده واحترم لشرائعه فعمل بها"يجعل له مخرجا"من مضائق مشكلات الحياة فإن شريعته فطرية يهدي بها الله الإنسان إلى ما تستدعيه فطرته وتقضي به حاجته وتضمن سعادته في الدنيا والآخرة"و يرزقه"من الزوج والمال وكل ما يفتقر إليه في طيب عيشه وزكاة حياته"من حيث لا يحتسب"ولا يتوقع فلا يخف المؤمن أنه إن اتقى الله واحترم حدوده حرم طيب الحياة وابتلي بضنك المعيشة فإن الرزق مضمون والله على ما ضمنه قادر.

"و من يتوكل على الله"باعتزاله عن نفسه فيما تهواه وتأمر به وإيثاره إرادة الله سبحانه على إرادة نفسه والعمل الذي يريده الله على العمل الذي تهواه وتريده نفسه وبعبارة أخرى تدين بدين الله وعمل بأحكامه"فهو حسبه"أي كافيه فيما يريده من طيب العيش ويتمناه من السعادة بفطرته لا بواهمته الكاذبة.

وذلك أنه تعالى هو السبب الأعلى الذي تنتهي إليه الأسباب فإذا أراد شيئا فعله وبلغ ما أراده من غير أن تتغير إرادته فهو القائل:"ما يبدل القول لدي": ق: 29 ، أو يحول بينه وبين ما أراده مانع فهو القائل:"و الله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 ، وأما الأسباب الآخر التي يتشبث بها الإنسان في رفع حوائجه فإنما تملك من السببية ما ملكها الله سبحانه وهو المالك لما ملكها والقادر على ما عليه أقدرها ولها من الفعل مقدار ما أذن الله فيه.

فالله كاف لمن توكل عليه لا غيره"إن الله بالغ أمره"يبلغ حيث أراد ، وهو القائل:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون""قد جعل الله لكل شيء قدرا"فما من شيء إلا له قدر مقدور وحد محدود والله سبحانه لا يحده حد ولا يحيط به شيء وهو المحيط بكل شيء.

هذا هو معنى الآية بالنظر إلى وقوعها في سياق آيات الطلاق وانطباقها على المورد.

وأما بالنظر إلى إطلاقها في نفسها مع الغض عن السياق الذي وقعت فيه فقوله:"و من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب"مفاده أن من اتقى الله بحقيقة معنى تقواه ولا يتم ذلك إلا بمعرفته تعالى بأسمائه وصفاته ثم تورعه واتقائه بالاجتناب عن المحرمات وتحرز ترك الواجبات خالصا لوجهه الكريم ، ولازمه أن لا يريد إلا ما يريده الله من فعل أو ترك ، ولازمه أن يستهلك إرادته في إرادة الله فلا يصدر عنه فعل إلا عن إرادة من الله.

ولازم ذلك أن يرى نفسه وما يترتب عليها من سمة أو فعل ملكا طلقا لله سبحانه يتصرف فيها بما يشاء وهو ولاية الله يتولى أمر عبده فلا يبقى له من الملك بحقيقة معناه شيء إلا ما ملكه الله سبحانه وهو المالك لما ملكه والملك لله عز اسمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت