فهرس الكتاب

الصفحة 4267 من 4314

و قيل: المراد بخلق الإنسان في أحسن تقويم ما عليه وجوده أوان الشباب من استقامة القوى وكمال الصورة وجمال الهيئة ، وبرده إلى أسفل سافلين رده إلى الهرم بتضعيف قواه الظاهرة والباطنة ونكس خلقته فتكون الآية في معنى قوله تعالى:"و من نعمره ننكسه في الخلق": يس: 68.

وفيه أنه لا يلائمه ما في قوله:"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات"من الاستثناء الظاهر في المتصل فإن حكم الخلق عام في المؤمن والكافر والصالح والطالح ودعوى أن المؤمن أو المؤمن الصالح مصون من ذلك مجازفة.

وكذا القول بأن المراد بالإنسان هو الكافر والمراد بالرد رده إلى جهنم أو إلى نكس الخلق والاستثناء منقطع.

قوله تعالى:"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون"أي غير مقطوع استثناء متصل من جنس الإنسان ، وتفريع قوله:"فلهم أجر غير ممنون"عليه يؤيد كون المراد من رده إلى أسفل سافلين رده إلى الشقاء والعذاب.

قوله تعالى:"فما يكذبك بعد بالدين أ ليس الله بأحكم الحاكمين"الخطاب للإنسان باعتبار الجنس ، وقيل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمراد غيره ، و"ما"استفهامية توبيخية ، و"بالدين"متعلق بيكذبك ، والدين الجزاء والمعنى - على ما قيل - ما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء يوم القيامة بعد ما جعلنا الإنسان طائفتين طائفة مردودة إلى أسفل سافلين وطائفة مأجورة أجرا غير ممنون.

وقوله:"أ ليس الله بأحكم الحاكمين"الاستفهام للتقرير وكونه تعالى أحكم الحاكمين هو كونه فوق كل حاكم في إتقان الحكم وحقيته ونفوذه من غير اضطراب ووهن وبطلان فهو تعالى يحكم في خلقه وتدبيره بما من الواجب في الحكمة أن يحكم به الناس من حيث الإتقان والحسن والنفوذ وإذا كان الله تعالى أحكم الحاكمين والناس طائفتان مختلفتان اعتقادا وعملا فمن الواجب في الحكمة أن يميز بينهم بالجزاء في حياتهم الباقية وهو البعث.

فالتفريع في قوله:"فما يكذبك بعد بالدين"من قبيل تفريع النتيجة على الحجة وقوله:"أ ليس الله بأحكم الحاكمين"تتميم للحجة المشار إليها بما يتوقف عليه تمامها.

والمحصل أنه إذا كان الناس خلقوا في أحسن تقويم ثم اختلفوا فطائفة خرجت عن تقويمها الأحسن وردت إلى أسفل سافلين وطائفة بقيت في تقويمها الأحسن وعلى فطرتها الأولى والله المدبر لأمرهم أحكم الحاكمين ، ومن الواجب في الحكمة أن تختلف الطائفتان جزاء ، فهناك يوم تجزى فيه كل طائفة بما عملت ولا مسوغ للتكذيب به.

فالآيات - كما ترى - في معنى قوله تعالى:"أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار": ص: 28 ، وقوله:"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون": الجاثية: 21.

وبعض من جعل الخطاب في قوله:"فما يكذبك"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل"ما"بمعنى من والحكم بمعنى القضاء ، وعليه فالمعنى إذا كان الناس مختلفين ولازم ذلك اختلاف جزائهم في يوم معد للجزاء فمن الذي ينسبك إلى الكذب بالجزاء أ ليس الله بأقضى القاضين فهو يقضي بينك وبين المكذبين لك بالدين.

وأنت خبير بأن فيه تكلفا من غير موجب.

في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"و التين والزيتون - وطور سينين وهذا البلد الأمين"التين المدينة والزيتون بيت المقدس وطور سينين الكوفة وهذا البلد الأمين مكة.

أقول: وقد ورد هذا المعنى في بعض الروايات عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يخلو من شيء ، وفي بعضها: أن التين والزيتون الحسن والحسين والطور علي والبلد الأمين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس من التفسير في شيء.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن خزيمة بن ثابت وليس بالأنصاري سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البلد الأمين فقال: مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت