فهرس الكتاب

الصفحة 3296 من 4314

و أما حديث النصر فالنصر غير منحصر في الفتح والغنيمة فله مصاديق أخر يفرج الله بها عن عباده.

على أن الآية لا تخبر عنه بما يدل على التحقق فقوله:"فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم"يدل على تحقق الإيذاء والفتنة حيث عبر بإذا الدالة على تحقق الوقوع بخلاف مجيء النصر حيث عبر عنه بأن الشرطية الدالة على إمكان الوقوع دون تحققه.

وأما قوله تعالى:"و من جاهد"إلخ فقد اتضح مما تقدم أن المراد به جهاد النفس دون مقاتلة الكفار فالحق أن لا دلالة في شيء من الآيات على كون السورة أو بعضها مدنية.

قوله تعالى:"و قال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون"المراد بالذين كفروا مشركوا مكة الذين أبدوا الكفر أول مرة بالدعوة الحقة ، وبالذين آمنوا المؤمنون بها أول مرة وقولهم لهم:"اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم"نوع استمالة لهم وتطييب لنفوسهم أن لو رجعوا إلى الشرك واتبعوا سبيلهم لم تكن عليهم تبعة على أي حال: إذ لو لم تكن في ذلك خطيئة فهو ، وإن كانت فهم حاملون لها عنهم ، ولذلك لم يقولوا: ولنحمل خطاياكم لو كانت بل أطلقوا القول من غير تقييد.

فكأنهم قالوا: لنفرض أن اتباعكم لسبيلنا خطيئة فإنا نحملها عنكم ونحمل كل ما يتفرع عليه من الخطايا أو أنا نحمل عنكم خطاياكم عامة ومن جملتها هذه الخطيئة.

وقوله:"و ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء"رد لقولهم:"و لنحمل خطاياكم"وهو رد محفوف بحجة إذ لو كان اتباعهم لسبيلهم ورجوعهم عن الإيمان بالله خطيئة كان خطيئة عند الله لاحقة بالراجعين وانتقالها عن عهدتهم إلى غيرهم يحتاج إلى إذن من الله ورضى فهو الذي يؤاخذهم به ويجازيهم وهو سبحانه يصرح ويقول:"ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء"وقد عمم النفي لكل شيء من خطاياهم.

وقوله:"إنهم لكاذبون"تكذيب لهم لما أن قولهم:"و لنحمل خطاياكم"يشتمل على دعوى ضمني أن خطاياهم تنتقل إليهم لو احتملوها وأن الله يجيز لهم ذلك.

قوله تعالى:"و ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون"من تمام القول السابق في ردهم وهو في محل الاستدراك أي إنهم لا يحملون خطاياهم بعينها فهي لازمة لفاعليها لكنهم حاملون أثقالا وأحمالا من الأوزار مثل أوزار فاعليها من غير أن ينقص من فاعليها فيحملونها مضافا إلى أثقال أنفسهم وأحمالها لما أنهم ضالون مضلون.

فالآية في معنى قوله تعالى:"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم": النحل: 25.

وقوله:"و ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون"فشركهم افتراء على الله سبحانه وكذا دعواهم القدرة على إنجاز ما وعدوه وأن الله يجيز لهم ذلك.

في الدر المنثور ، أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس وأيضا ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قالا: نزلت سورة العنكبوت بمكة.

أقول: وقد نقل في روح المعاني ، عن البحر عن ابن عباس أن السورة مدنية.

وفي المجمع ،: قيل نزلت الآية يعني قوله تعالى:"أ حسب الناس أن يتركوا"في عمار بن ياسر وكان يعذب في الله. عن ابن جريج.

وفي الدر المنثور ، أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي: في قوله:"الم أ حسب الناس أن يتركوا"الآية ، قال: أنزلت في أناس بمكة قد أقروا بالإسلام فكتب إليهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة لما نزلت آية الهجرة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا. قال: فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم هذه الآية فكتبوا إليهم أنه نزل فيكم آية كذا وكذا فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزل الله فيهم:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم"وفيه ، أخرج ابن جرير عن قتادة:"و من الناس من يقول آمنا بالله إلى قوله وليعلمن المنافقين"قال هذه الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة ، وهذه الآيات العشر مدنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت