و أما إرادة المجتمع الصالح في الدنيا فبعيد من السياق.
قوله تعالى:"و من الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله"إلى آخر الآية ، لما كان إيمان هؤلاء مقيدا بالعافية والسلامة مغيى بالإيذاء والابتلاء لم يعده إيمانا بقول مطلق ولم يقل: ومن الناس من يؤمن بالله بل قال:"و من الناس من يقول آمنا بالله"فالآية بوجه نظيرة قوله:"و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه": الحج: 11.
وقوله:"فإذا أوذي في الله"أي أوذي لأجل الإيمان بالله بناء على أن في للسببية كما قيل وفيه عناية كلامية لطيفة بجعله تعالى - أي جعل الإيمان بالله - ظرفا للإيذاء ولمن يقع عليه الإيذاء ليفيد أن الإيذاء منتسب إليه تعالى انتساب المظروف إلى ظرفه وينطبق على معنى السببية والغرضية ونظيره قوله:"يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله": الزمر: 56 ، وقوله:"و الذين جاهدوا فينا": العنكبوت: 69.
وقيل: معنى الإيذاء في الله هو الإيذاء في سبيل الله وكأنه مبني على تقدير مضاف محذوف.
وفيه أن العناية الكلامية مختلفة فالإيذاء في الله ما كان السبب فيه محض الإيمان بالله وهو قولهم: ربنا الله ، والإيذاء في سبيل الله ما كان سببه سلوك السبيل التي هي الدين قال تعالى:"فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي": آل عمران: 195 ومن الشاهد على تغاير الاعتبارين قوله في آخر السورة:"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا"حيث جعل الجهاد في الله طريقا إلى الاهتداء إلى سبله ولو كانا بمعنى واحد لم يصح ذلك.
وقوله:"جعل فتنة الناس كعذاب الله"أي نزل العذاب والإيذاء الذي يصيبه من الناس في وجوب التحرز منه منزلة عذاب الله الذي يجب أن يتحرز منه فرجع عن الإيمان إلى الشرك خوفا وجزعا من فتنتهم مع أن عذابهم يسير منقطع الآخر بنجاة أو موت ولا يقاس ذلك بعذاب الله العظيم المؤبد الذي يستتبع الهلاك الدائم.
وقوله:"و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم"أي لئن أتاكم من قبله تعالى ما فيه فرج ويسر لكم من بعد ما أنتم فيه من الشدة والعسرة من قبل أعداء الله ليقولن هؤلاء إنا كنا معكم فلنا منه نصيب.
و"ليقولن"بضم اللام صيغة جمع ، والضمير راجع إلى"من"باعتبار المعنى كما أن ضمائر الإفراد الأخر راجعة إليها باعتبار اللفظ.
وقوله:"أ وليس الله بأعلم بما في صدور العالمين"استفهام إنكاري فيه رد دعواهم أنهم مؤمنون بأن الله أعلم بما في الصدور ولا تنطوي قلوب هؤلاء على إيمان.
والمراد بالعالمين الجماعات من الإنسان أو الجماعات المختلفة من أولي العقل إنسانا كان أو غيره كالجن والملك ، ولو كان المراد به جميع المخلوقات من ذوي الشعور وغيرهم كان المراد بالصدور البواطن وهو بعيد.
قوله تعالى:"و ليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين"من تتمة الكلام في الآية السابقة والمحصل أن الله مع ذلك يميز بين المؤمنين والمنافقين بالفتنة والامتحان.
وفي الآية إشارة إلى كون هؤلاء منافقين وذلك لكون إيمانهم مقيدا بعدم الفتنة وهم يظهرونه مطلقا غير مقيد والفتنة سنة إلهية جارية لا معدل عنها.
وقد استدل بالآيتين على أن السورة أو خصوص هذه الآيات مدنية وذلك أن الآية تحدث عن النفاق والنفاق إنما ظهر بالمدينة بعد الهجرة وأما مكة قبل الهجرة فلم يكن للإسلام فيها شوكة ولا للمسلمين فيها إلا الذلة والإهانة والشدة والفتنة ولا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المجتمع العربي يومئذ وخاصة عند قريش عزة ولا منزلة فلم يكن لأحد منهم داع يدعوه إلى أن يتظاهر بالإيمان وهو ينوي الكفر.
على أن قوله في الآية:"و لئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم"يخبر عن النصر وهو الفتح والغنيمة وقد كان ذلك بالمدينة دون مكة.
ونظير الآيتين قوله السابق:"و من جاهد فإنما يجاهد لنفسه"ضرورة إن الجهاد والقتال إنما كان بالمدينة بعد الهجرة.
وهو سخيف: أما حديث النفاق فالذي جعل في الآية ملاكا للنفاق وهو قولهم: آمنا بالله حتى إذا أوذوا في الله راجعوا عن قولهم كان جائز التحقق في مكة كما في غيرها وهو ظاهر بل الذي ذكر من الإيذاء والفتنة إنما كان بمكة فلم تكن في المدينة بعد الهجرة فتنة.