فهرس الكتاب

الصفحة 1548 من 4314

لكن اتصال الكلام بالآيات المبينة للشرائع العامة الإلهية التي تبتدىء بالنهي عن الشرك وتنتهي إلى النهي عن التفرق عن سبيل الله يستدعي أن يكون قوله:"الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا"موضوعا لبيان حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع من كان هذا وصفه فالإتيان بصيغة الماضي في قوله:"فرقوا دينهم"لبيان أصل التحقق سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل لا تحقق الفعل في الزمان الماضي فحسب.

ومن المعلوم أن تمييز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإخراجه من أولئك المختلفين في الدين المتفرقين شيعة شيعة كل شيعة يتبع إماما يقودهم ليس إلا لأنه رسول يدعو إلى كلمة الحق ودين التوحيد ، ومثال كامل يمثل بوجوده الإسلام ويدعو بعمله إليه فيعود معنى قوله:"لست منهم في شيء"إلى أنهم ليسوا على دينك الذي تدعو إليه ، ولا على مستوى طريقك الذي تسلكه.

فمعنى الآية أن الذين فرقوا دينهم بالاختلافات التي هي لا محالة ناشئة عن العلم - وما اختلف الذين أوتوه إلا بغيا بينهم - والانشعابات المذهبية ليسوا على طريقتك التي بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة إنما أمرهم في هذا التفريق إلى ربهم لا يماسك منهم شيء فينبئهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون ويكشف لهم حقيقة أعمالهم التي هم رهناؤها.

وقد تبين بما مر أن لا وجه لتخصيص الآية بتبرئته (صلى الله عليه وآله وسلم) من المشركين أو منهم ومن اليهود والنصارى ، أو من المختلفين بالمذاهب والبدع من هذه الأمة فالآية عامة تعم الجميع.

قوله تعالى:"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون"الآية تامة في نفسها تكشف عن منة إلهية يمتن بها على عباده أنه يجازي الحسنة بعشر أمثالها ، ولا يجازي السيئة إلا بمثلها أي يحسب الحسنة عشرة والسيئة واحدة ولا يظلم في الإيفاء فلا ينقص من تلك ولا يزيد في هذه ، إن أمكن أن يزيد في جزاء الحسنة فيزيد على العشر كما يدل عليه قوله:"مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء": البقرة: 261 وأمكن أن يعفو عن السيئة فلا يحسب حق المثل الواحد.

لكنها أعني الآية باتصالها بما تقدمها وانتظامها معها في سياق واحد تفيد معنى آخر كأنه قيل بعد سرد الكلام في الآيات السابقة في الاتفاق والاجتماع على الحق والتفرق فيه: فهاتان خصلتان حسنة وسيئة يجزى فيهما ما يماثلهما ولا ظلم فإن الجزاء يماثل العمل فمن جاء بالحسنة فله مثلها ويضاعف له ومن جاء بالسيئة وهي الاختلاف المنهي عنه فلا يجزى إلا سيئة مثلها ولا يطمعن في الجزاء الحسن ، وعاد المعنى إلى نظير ما استفيد من قوله:"و جزاء سيئة سيئة مثلها": الشورى: 40 أن المراد به بيان مماثلة جزاء السيئة لها في كونها سيئة لا يرغب فيها لا إثبات الوحدة ونفي المضاعفة.

في تفسير العياشي ، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله:"يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها"قال: طلوع الشمس من المغرب وخروج الدابة والدخان ، والرجل يكون مصرا ولم يعمل عمل الإيمان ثم تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه.

أقول: وقوله: الرجل يكون مصرا"إلخ"تفسير لقوله:"أو كسبت في إيمانها خيرا"على ما قدمناه ويدل عليه الرواية الآتية.

وفيه ، عن أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) : في قوله:"أو كسبت في إيمانها خيرا"قال: المؤمن العاصي حالت بينه وبين إيمانه كثرة ذنوبه وقلة حسناته فلم يكسب في إيمانه خيرا.

وفي تفسير القمي ، حدثني أبي عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي جعفر (عليه السلام) : في قوله:"يوم يأتي بعض آيات ربك"الآية قال: إذا طلعت الشمس من مغربها فكل من آمن في ذلك اليوم لا ينفعه إيمانه.

وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : في قوله:"يوم يأتي بعض آيات ربك"قال: طلوع الشمس من مغربها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت