فهرس الكتاب

الصفحة 1547 من 4314

و هذا الوجه غير بعيد بالنسبة إلى صدر الآية لكن ذيلها أعني قوله:"يوم يأتي بعض آيات ربك"إلخ ، لا يلائمه تلك الملاءمة فإن التهكم لا يتعدى فيه إلى بيان الحقائق وتفصيل الآثار.

قوله تعالى:"يوم يأتي بعض آيات ربك"إلى آخر الآية ، يشرح خاصة يوم ظهور هذه الآيات ، وهي في الحقيقة خاصة نفس الآيات وهي أن الإيمان لا ينفع نفسا لم تؤمن قبل ذلك اليوم إيمان طوع واختيار أو آمنت قبله ولم تكن كسبت في إيمانها خيرا ولم تعمل صالحا بل انهمكت في السيئات والمعاصي إذ لا توبة لمثل هذا الإنسان ، قال تعالى:"و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن": النساء: 18 ، فالنفس التي لم تؤمن من قبل إيمان طوع ورضى أو آمنت بالله وكذبت بآيات الله ولم تعتن بشيء من شرائع الله واسترسلت في المعاصي الموبقة ولم تكتسب شيئا من صالح العمل فيما كان عليها ذلك ثم شاهدت البأس الإلهي فحملها الاضطرار إلى الإيمان لترد به بأس الله تعالى لم ينفعها ذلك ، ولم يرد عنها بأسا ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين.

وفي الآية من بديع النظم ولطيف السياق أنه كرر فيها لفظ"ربك"ثلاث مرات وليس إلا لتأييد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تجاه خصمه وهم المشركون حيث كانوا يفتخرون بأربابهم ويباهون بأوثانهم ليعتز بربه ويثبت به قلبه ويربط جأشه في دعوته إن نجحت وإلا فبالقضاء الفصل الذي يقضي به ربه بينه وبين خصمه ثم أكد ذلك وزاد في طمأنة نفسه بقوله في ختام الآية:"قل انتظروا إنا منتظرون"أي فانتظر أنت ما هم منتظرون ، وأخبرهم أنك في انتظاره ، ومرهم أن ينتظروه فهو الفصل وليس بالهزل.

ومن هنا يظهر أن الآية تتضمن تهديدا جديا لا تخويفا صوريا وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في دفع قول القائل: إن الاستفهام في الآية للتهكم فقال: إن هذه الآيات الثلاث هي ما ينتظرونه كغيرهم في نفس الأمر فلا يصح أن يراد بهذا البعض شيء مما اقترحوه لأن إيتاء الآيات المقترحة على الرسل يقتضي في سنة الله هلاك الأمة بعذاب الاستئصال إذا لم تؤمن به ، والله لا يهلك أمة نبي الرحمة.

انتهى.

وفيه: أن دلالة الآيات القرآنية على أن هذه الأمة سيشملهم القضاء بينهم بالقسط والحكم الفصل مما لا سترة عليها كقوله:"و لكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ، ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ، قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل - إلى أن قال - ويستنبئونك أ حق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين"إلى آخر الآية: يونس: 47 - 53.

وقد استدل بالآية على أن الإيمان لا أثر له إذا لم يقترن بالعمل وهو حق في الجملة لا مطلقا فإن الآية في مقام بيان أن من كان في وسعه أن يؤمن بالله فلم يؤمن أو في وسعه أن يؤمن ويعمل صالحا فآمن ولم يعمل صالحا حتى لحقه البأس الإلهي الشديد الذي يضطره إلى ذلك فإنه لا ينتفع بإيمانه ، وأما من آمن طوعا فأدركه الموت ولم يمهله الأجل حتى يعمل صالحا ويكسب في إيمانه خيرا فإن الآية غير متعرضة لبيان حاله بل الآية لا تخلو عن إشعار أو دلالة على أن النافع إنما هو الإيمان إذا كان عن طوع ولم يحط به الخطيئة ولم تفسده السيئة.

وفي قوله:"لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت"الفصل بين الموصوف والوصف بفاعل الفعل وهو إيمانها وكأنه للاحتراز عن الفصل الطويل بين الفعل وفاعله ، واجتماع"في إيمانها"و"إيمانها"في اللفظ.

قوله تعالى:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"إلخ ، وجه الكلام السابق وإن كان مع المشركين وقد ابتلوا بتفريق الدين الحنيف ، وكان أيضا لأهل الكتاب نصيب من الكلام وربما لوح إليهم بعض التلويح ولازم ذلك أن ينطبق قوله:"الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا"على المشركين بل عليهم وعلى اليهود والنصارى لاشتراك الجميع في التفرق والاختلاف في الدين الإلهي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت