فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 4314

و الألفاظ السابقة على ما عرفت من معانيها لا تخلو عن ملابسة المادة والحركة والتغير ، ولذلك لا تستعمل في مورده تعالى غير الخمسة الأخيرة منها أعني العلم والحفظ والحكمة والخبرة والشهادة ، فلا يقال فيه تعالى: إنه يظن أو يحسب أو يزعم أو يفهم أو يفقه أو غير ذلك.

وأما الألفاظ الخمسة الأخيرة فلعدم استلزامها للنقص والفقدان تستعمل في مورده تعالى ، قال سبحانه:"و الله بكل شيء عليم:"النساء - 15 ، وقال تعالى:"و ربك على كل شيء حفيظ:"سبأ - 21 ، وقال تعالى:"و الله بما تعملون خبير": البقرة - 234 ، وقال تعالى:"هو العليم الحكيم:"يوسف - 83 ، وقال تعالى:"إنه على كل شيء شهيد:"فصلت - 53.

ولنرجع إلى ما كنا فيه فنقول: لفظ العقل على ما عرفت يطلق على الإدراك من حيث إن فيه عقد القلب بالتصديق ، على ما جبل الله سبحانه الإنسان عليه من إدراك الحق والباطل في النظريات ، والخير والشر والمنافع والمضار في العمليات حيث خلقه الله سبحانه خلقة يدرك نفسه في أول وجوده ، ثم جهزه بحواس ظاهرة يدرك بها ظواهر الأشياء ، وبأخرى باطنه يدرك معاني روحية بها ترتبط نفسه مع الأشياء الخارجة عنها كالإرادة ، والحب والبغض ، والرجاء ، والخوف ، ونحو ذلك ، ثم يتصرف فيها بالترتيب والتفصيل والتخصيص والتعميم ، فيقضي فيها في النظريات والأمور الخارجة عن مرحلة العمل قضاء نظريا ، وفي العمليات والأمور المربوطة بالعمل قضاء عمليا ، كل ذلك جريا على المجرى الذي تشخصه له فطرته الأصلية ، وهذا هو العقل.

لكن ربما تسلط بعض القوى على الإنسان بغلبته على سائر القوى كالشهوة والغضب فأبطل حكم الباقي أو ضعفه ، فخرج الإنسان بها عن صراط الاعتدال إلى أودية الإفراط والتفريط ، فلم يعمل هذا العامل العقلي فيه على سلامته ، كالقاضي الذي يقضي بمدارك أو شهادات كاذبة منحرفة محرفة ، فإنه يحيد في قضائه عن الحق وإن قضى غير قاصد للباطل ، فهو قاض وليس بقاض ، كذلك الإنسان يقضي في مواطن المعلومات الباطلة بما يقضي ، وأنه وإن سمى عمله ذلك عقلا بنحو من المسامحة ، لكنه ليس بعقل حقيقة لخروج الإنسان عند ذلك عن سلامة الفطرة وسنن الصواب.

وعلى هذا جرى كلامه تعالى ، فإنه يعرف العقل بما ينتفع به الإنسان في دينه ويركب به هداه إلى حقائق المعارف وصالح العمل ، وإذا لم يجر على هذا المجرى فلا يسمى عقلا ، وإن عمل في الخير والشر الدنيوي فقط ، قال تعالى"و قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير:"الملك - 10.

وقال تعالى:"أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور:"الحج - 46.

فالآيات كما ترى تستعمل العقل في العلم الذي يستقل الإنسان بالقيام عليه بنفسه ، والسمع في الإدراك الذي يستعين فيه بغيره مع سلامة الفطرة في جميع ذلك ، وقال تعالى:"و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه:"البقرة - 130 ، وقد مر أن الآية بمنزلة عكس النقيض لقوله (عليه السلام) : العقل ما عبد به الرحمن الحديث.

فقد تبين من جميع ما ذكرنا: أن المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الإدراك الذي يتم للإنسان مع سلامة فطرته ، وبه يظهر معنى قوله سبحانه: كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ، فبالبيان يتم العلم ، والعلم مقدمة للعقل ووسيلة إليه كما قال تعالى:"و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون:"العنكبوت - 43.

في سنن أبي داود ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ، قالت: طلقت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن للمطلقة عدة فأنزل حين طلقت العدة للطلاق:"و المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء"فكانت أول من أنزلت فيها العدة للطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت