و تعريف الحول باللام لا يخلو عن دلالة على كون الآية نازلة قبل تشريع عدة الوفاة ، أعني الأربعة أشهر وعشرة أيام فإن عرب الجاهلية كانت نساؤهم يقعدن بعد موت أزواجهن حولا كاملا ، فالآية توصي بأن يوصي الأزواج لهن بمال يتمتعن به إلى تمام الحول من غير إخراجهن من بيوتهن ، غير أن هذا لما كان حقا لهن والحق يجوز تركه كان لهن أن يطالبن به ، وأن يتركنه فإن خرجن فلا جناح للورثة ومن يجري مجراهم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ، وهذا نظير ما أوصى الله به من حضره الموت أن يوصي للوالدين والأقربين بالمعروف ، قال تعالى:"كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين:"البقرة - 180.
ومما ذكرنا يظهر أن الآية منسوخة بآية عدة الوفاة وآية الميراث بالربع والثمن.
قوله تعالى: وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ، الآية في حق مطلق المطلقات ، وتعليق ثبوت الحكم بوصف التقوى مشعر بالاستحباب.
قوله تعالى: كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون ، الأصل في معنى العقل العقد والإمساك وبه سمي إدراك الإنسان إدراكا يعقد عليه عقلا ، وما أدركه عقلا ، والقوة التي يزعم أنها إحدى القوى التي يتصرف بها الإنسان يميز بها بين الخير والشر والحق والباطل عقلا ، ويقابله الجنون والسفه والحمق والجهل باعتبارات مختلفة.
والألفاظ المستعملة في القرآن الكريم في أنواع الإدراك كثيرة ربما بلغت العشرين ، كالظن ، والحسبان ، والشعور ، والذكر ، والعرفان ، والفهم ، والفقه ، والدراية ، واليقين ، والفكر ، والرأي ، والزعم ، والحفظ ، والحكمة ، والخبرة ، والشهادة ، والعقل ، ويلحق بها مثل القول ، والفتوى ، والبصيرة ونحو ذلك.
والظن هو التصديق الراجح وإن لم يبلغ حد الجزم والقطع ، وكذا الحسبان ، غير أن الحسبان كان استعماله في الإدراك الظني استعمال استعاري ، كالعد بمعنى الظن وأصله من نحو قولنا: عد زيدا من الأبطال وحسبه منهم أي ألحقه بهم في العد والحساب.
والشعور هو الإدراك الدقيق مأخوذ من الشعر لدقته ، ويغلب استعماله في المحسوس دون المعقول ، ومنه إطلاق المشاعر للحواس.
والذكر هو استحضار الصورة المخزونة في الذهن بعد غيبته عن الإدراك أو حفظه من أن يغيب عن الإدراك.
والعرفان والمعرفة تطبيق الصورة الحاصلة في المدركة على ما هو مخزون في الذهن ولذا قيل: إنه إدراك بعد علم سابق.
والفهم: نوع انفعال للذهن عن الخارج عنه بانتقاش الصورة فيه.
والفقه: هو التثبت في هذه الصورة المنتقشة فيه والاستقرار في التصديق.
والدراية: هو التوغل في ذلك التثبت والاستقرار حتى يدرك خصوصية المعلوم وخباياه ومزاياه ، ولذا يستعمل في مقام تفخيم الأمر وتعظيمه ، قال تعالى:"الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة:"الحاقة - 2 ، وقال تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وما أدراك ما ليلة القدر:"القدر - 2."
واليقين: هو اشتداد الإدراك الذهني بحيث لا يقبل الزوال والوهن.
والفكر نحو سير ومرور على المعلومات الموجودة الحاضرة لتحصيل ما يلازمها من المجهولات.
والرأي: هو التصديق الحاصل من الفكر والتروي ، غير أنه يغلب استعماله في العلوم العملية مما ينبغي فعله وما لا ينبغي دون العلوم النظرية الراجعة إلى الأمور التكوينية ، ويقرب منه البصيرة ، والإفتاء ، والقول ، غير أن استعمال القول كأنه استعمال استعاري من قبيل وضع اللازم موضع الملزوم لأن القول في شيء يستلزم الاعتقاد بما يدل عليه.
والزعم: هو التصديق من حيث إنه صورة في الذهن سواء كان تصديقا راجحا أو جازما قاطعا.
والعلم كما مر: هو الإدراك المانع من النقيض.
و- الحفظ -: ضبط الصورة المعلومة بحيث لا يتطرق إليه التغيير والزوال.
والحكمة: هي الصورة العلمية من حيث إحكامها وإتقانها.
و- الخبرة -: هو ظهور الصورة العلمية بحيث لا يخفى على العالم ترتب أي نتيجة على مقدماتها.
والشهادة: هو نيل نفس الشيء وعينه إما بحس ظاهر كما في المحسوسات أو باطن كما في الوجدانيات نحو العلم والإرادة والحب والبغض وما يضاهي ذلك.