فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 4314

2 سورة البقرة - 221

وَلا تَنكِحُوا الْمُشرِكَتِ حَتى يُؤْمِنّ وَلأَمَةٌ مّؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِّن مّشرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشرِكِينَ حَتى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مّؤْمِنٌ خَيرٌ مِّن مّشرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئك يَدْعُونَ إِلى النّارِ وَاللّهُ يَدْعُوا إِلى الْجَنّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَينُ ءَايَتِهِ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ (221)

قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ، قال الراغب في المفردات ،: أصل النكاح للعقد ثم استعير للجماع ، ومحال أن يكون في الأصل للجماع ثم استعير للعقد لأن أسماء الجماع ، كلها كنايات ، لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ، ومحال أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستفظعونه لما يستحسنونه ، انتهى ، وهو جيد غير أنه يجب أن يراد بالعقد علقة الزوجية دون العقد اللفظي المعهود.

والمشركات اسم فاعل من الإشراك بمعنى اتخاذ الشريك لله سبحانه ، ومن المعلوم أنه ذو مراتب مختلفة بحسب الظهور والخفاء نظير الكفر والإيمان ، فالقول بتعدد الإله واتخاذ الأصنام والشفعاء شرك ظاهر ، وأخفى منه ما عليه أهل الكتاب من الكفر بالنبوة - وخاصة - أنهم قالوا: عزير ابن الله أو المسيح ابن الله ، وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وهو شرك ، وأخفى منه القول باستقلال الأسباب والركون إليها وهو شرك ، إلى أن ينتهي إلى ما لا ينجو منه إلا المخلصون وهو الغفلة عن الله والالتفات إلى غير الله عزت ساحته ، فكل ذلك من الشرك ، غير أن إطلاق الفعل غير إطلاق الوصف والتسمية به ، كما أن من ترك من المؤمنين شيئا من الفرائض فقد كفر به لكنه لا يسمى كافرا ، قال تعالى:"و لله على الناس حج البيت إلى أن قال ومن كفر فإن الله غني عن العالمين:"آل عمران - 97 ، وليس تارك الحج كافرا بل هو فاسق كفر بفريضة واحدة ، ولو أطلق عليه الكافر قيل كافر بالحج ، وكذا سائر الصفات المستعملة في القرآن كالصالحين والقانتين والشاكرين والمتطهرين ، وكالفاسقين والظالمين إلى غير ذلك لا تعادل الأفعال المشاركة لها في مادتها ، وهو ظاهر فللتوصيف والتسمية حكم ، ولإسناد الفعل حكم آخر.

على أن لفظ المشركين في القرآن غير ظاهر الإطلاق على أهل الكتاب بخلاف لفظ الكافرين بل إنما أطلق فيما يعلم مصداقه على غيرهم من الكفار كقوله تعالى:"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين منفكين حتى تأتيهم البينة:"البينة - 1 ، وقوله تعالى:"إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام:"التوبة - 28 ، وقوله تعالى:"كيف يكون للمشركين عهد:"التوبة - 7 ، وقوله تعالى:"و قاتلوا المشركين كافة:"التوبة 36 ، وقوله تعالى:"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم:"التوبة - 5 ، إلى غير ذلك من الموارد.

وأما قوله تعالى:"و قالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين:"البقرة - 135 ، فليس المراد بالمشركين في الآية اليهود والنصارى ليكون تعريضا لهم بل الظاهر أنهم غيرهم بقرينة قوله تعالى:"ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين:"آل عمران - 67 ، ففي إثبات الحنف له (عليه السلام) تعريض لأهل الكتاب ، وتبرئة لساحة إبراهيم عن الميل عن حاق الوسط إلى مادية اليهود محضا أو إلى مثنوية النصارى محضا بل هو (عليه السلام) غير يهودي ولا نصراني ومسلم لله غير متبع له يكن المشركين عبدة الأوثان.

وكذا قوله تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:"يوسف - 106 ، وقوله تعالى:"و ويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة:"فصلت - 7 ، وقوله تعالى:"إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون:"النحل - 100 ، فإن هذه الآيات ليست في مقام التسمية بحيث يعد المورد الذي يصدق وصف الشرك عليه مشركا غير مؤمن ، والشاهد على ذلك صدقه على بعض طبقات المؤمنين ، بل على جميعهم غير النادر الشاذ منهم وهم الأولياء المقربون من صالحي عباد الله.

فقد ظهر من هذا البيان على طوله: أن ظاهر الآية أعني قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات ، قصر التحريم على المشركات والمشركين من الوثنيين دون أهل الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت