فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 4314

و من هنا يظهر: فساد القول بأن الآية ناسخة لآية المائدة وهي قوله تعالى:"اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم"الآية: المائدة - 6.

أو أن الآية أعني قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات ، وآية الممتحنة أعني قوله تعالى:"و لا تمسكوا بعصم الكوافر:"الممتحنة - 10 ، ناسختان لآية المائدة ، وكذا القول بأن آية المائدة ناسخة لآيتي البقرة والممتحنة.

وجه الفساد: أن هذه الآية أعني آية البقرة بظاهرها لا تشمل أهل الكتاب وآية المائدة لا تشمل إلا الكتابية فلا نسبة بين الآيتين بالتنافي حتى تكون آية البقرة ناسخة لآية المائدة أو منسوخة بها ، وكذا آية الممتحنة وإن أخذ فيها عنوان الكوافر وهو أعم من المشركات ويشمل أهل الكتاب ، فإن الظاهر أن إطلاق الكافر يشمل الكتابي بحسب التسمية بحيث يوجب صدقه عليه انتفاء صدق المؤمن عليه كما يشهد به قوله تعالى"من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين:"البقرة - 98 إلا أن ظاهر الآية كما سيأتي إن شاء الله العزيز أن من آمن من الرجال وتحته زوجة كافرة يحرم عليه الإمساك بعصمتها أي إبقاؤها على الزوجية السابقة إلا أن تؤمن فتمسك بعصمتها ، فلا دلالة لها على النكاح الابتدائي للكتابية.

ولو سلم دلالة الآيتين أعني: آية البقرة وآية الممتحنة على تحريم نكاح الكتابية ابتداء لم تكونا بحسب السياق ناسختين لآية المائدة ، وذلك لأن آية المائدة واردة مورد الامتنان والتخفيف ، على ما يعطيه التدبر في سياقها ، فهي آبية عن المنسوخية بل التخفيف المفهوم منها هو الحاكم على التشديد المفهوم من آية البقرة ، فلو بني على النسخ كانت آية المائدة هي الناسخة.

على أن سورة البقرة أول سورة نزلت بالمدينة بعد الهجرة ، وسورة الممتحنة نزلت بالمدينة قبل فتح مكة وسورة المائدة آخر سورة نزلت على رسول الله ناسخة غير منسوخة ولا معنى لنسخ السابق اللاحق.

قوله تعالى: ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ، الظاهر أن المراد بالأمة المؤمنة المملوكة التي تقابل الحرة وقد كان الناس يستذلون الإماء ويعيرون من تزوج بهن ، فتقييد الأمة بكونها مؤمنة ، وإطلاق المشركة مع ما كان عليه الناس من استحقار أمر الإماء واستذلالهن ، والتحرز عن التزوج بهن يدل على أن المراد أن المؤمنة وإن كانت أمة خير من المشركة وإن كانت حرة ذات حسب ونسب ومال مما يعجب الإنسان بحسب العادة.

وقيل: إن المراد بالأمة كالعبد في الجملة التالية أمة الله وعبده وهو بعيد.

قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن"إلخ"، الكلام فيه كالكلام في الجملة السابقة.

قوله تعالى: أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ، إشارة إلى حكمة الحكم بالتحريم ، وهو أن المشركين لاعتقادهم بالباطل ، وسلوكهم سبيل الضلال رسخت فيهم الملكات الرذيلة المزينة للكفر والفسوق ، والمعمية عن إبصار طريق الحق والحقيقة فأثبتت في قولهم وفي فعلهم الدعوة إلى الشرك ، والدلالة إلى البوار ، والسلوك بالآخرة إلى النار فهم يدعون إلى النار ، والمؤمنون - بخلافهم - بسلوكهم سبيل الإيمان ، وتلبسهم بلباس التقوى يدعون بقولهم وفعلهم إلى الجنة والمغفرة بإذن الله حيث أذن في دعوتهم إلى الإيمان ، واهتدائهم إلى الفوز والصلاح المؤدي إلى الجنة والمغفرة.

وكان حق الكلام أن يقال: وهؤلاء يدعون إلى الجنة"إلخ"، ففيه استخلاف عن المؤمنين ودلالة على أن المؤمنين في دعوتهم بل في مطلق شئونهم الوجودية إلى ربهم ، لا يستقلون في شيء من الأمور دون ربهم تبارك وتعالى وهو وليهم كما قال سبحانه:"و الله ولي المؤمنين:"آل عمران - 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت