مّا يَفْتَح اللّهُ لِلنّاسِ مِن رّحْمَةٍ فَلا مُمْسِك لَهَا وَمَا يُمْسِك فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ (2) يَأَيهَا النّاس اذْكُرُوا نِعْمَت اللّهِ عَلَيْكمْ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيرُ اللّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِن يُكَذِّبُوك فَقَدْ كُذِّبَت رُسلٌ مِّن قَبْلِك وَإِلى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (4) يَأَيهَا النّاس إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ فَلا تَغُرّنّكُمُ الحَْيَوةُ الدّنْيَا وَلا يَغُرّنّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ (5) إِنّ الشيْطنَ لَكمْ عَدُوّ فَاتخِذُوهُ عَدُواّ إِنّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصحَبِ السعِيرِ (6) الّذِينَ كَفَرُوا لهَُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ وَالّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصلِحَتِ لهَُم مّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَ فَمَن زُيِّنَ لَهُ سوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسنًا فَإِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشاءُ وَيهْدِى مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَب نَفْسك عَلَيهِمْ حَسرَتٍ إِنّ اللّهَ عَلِيمُ بِمَا يَصنَعُونَ (8)
لما أشار إلى الملائكة وهم وسائط في وصول النعم إلى الخليقة أشار إلى نفس النعم إشارة كلية فذكر أن عامة النعم من الله سبحانه لا غير فهو الرازق لا يشاركه فيه أحد ، ثم احتج بالرازقية على الربوبية ثم على المعاد وأن وعده تعالى بالبعث وعذاب الكافرين ومغفرة المؤمنين الصالحين حق ، وفي الآيات تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قوله تعالى:"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده"إلخ المعنى أن ما يؤتيه الله الناس من النعمة وهو الرزق فلا مانع عنه وما يمنع فلا مؤتي له فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما يرسل الله للناس إلخ.
كما عبر في الجملة الثانية بالإرسال لكنه عدل عن الإرسال إلى الفتح لما وقع مكررا في كلامه أن لرحمته خزائن كقوله:"أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب:"ص: - 9 وقوله:"قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق:"الإسراء: - 100 والتعبير بالفتح أنسب من الإرسال في الخزائن ففيه إشارة إلى أن الرحمة التي يؤتاها الناس مخزونة في خزائن محيطة بالناس لا يتوقف نيلهم منها إلا إلى فتحها من غير مئونة زائدة.
وقد عبر عن الرزق الذي هو النعمة بالرحمة للدلالة على أن إفاضته تعالى لهذه النعم ناشئة من مجرد الرحمة من غير توقع لنفع يعود إليه أو كمال يستكمل به.
وقوله:"و ما يمسك فلا مرسل له من بعده"أي وما يمنع من الرحمة فلا مرسل له من دونه ، وفي التعبير بقوله:"من بعده"إشارة إلى أنه تعالى أول في المنع كما أنه أول في الإعطاء.
وقوله:"و هو العزيز الحكيم"تقرير للحكم المذكور في الآية الكريمة بالاسمين الكريمين فهو تعالى لكونه عزيزا لا يغلب إذا أعطى فليس لمانع أن يمنع عنه وإذا منع فليس لمعط أن يعطيه ، وهو تعالى حكيم إذا أعطى أعطى عن حكمة ومصلحة وإذا منع منع عن حكمة ومصلحة وبالجملة لا معطي إلا الله ولا مانع إلا هو ، ومنعه وإعطائه عن حكمة.
قوله تعالى:"يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض"الخ.
لما قرر في الآية السابقة أن الإعطاء والمنع لله سبحانه لا يشاركه في ذلك أحد احتج في هذه الآية بذلك على توحده في الربوبية.
وتقرير الحجة أن الإله إنما يكون إلها معبودا لربوبيته وهي ملكة تدبير أمر الناس وغيرهم ، والذي يملك تدبير الأمر بهذه النعم التي يتقلب فيها الناس وغيرهم ويرتزقون بها هو الله سبحانه دون غيره من الآلهة التي اتخذوها لأنه سبحانه هو الذي خلقها دونهم والخلق لا ينفك عن التدبير ولا يفارقه فهو سبحانه إلهكم لا إله إلا هو لأنه ربكم الذي يدبر أمركم بهذه النعم التي تتقلبون فيها وإنما كان ربا مدبرا بهذه النعم لأنه خالقها وخالق النظام الذي يجري عليها.
وبذلك يظهر أن المراد بالناس المخاطبين الوثنيون وغيرهم ممن اتخذ لله شريكا.
وقوله:"اذكروا نعمة الله عليكم"المراد بالذكر ما يقابل النسيان دون الذكر اللفظي.