فهرس الكتاب

الصفحة 3458 من 4314

و قوله:"هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض"الرزق هو ما يمد به البقاء ومبدؤه السماء بواسطة الأشعة والأمطار وغيرهما والأرض بواسطة النبات والحيوان وغيرهما.

وبذلك يظهر أيضا أن في الآية إيجازا لطيفا فقد بدلت الرحمة في الآية السابقة نعمة في هذه الآية أولا ثم النعمة رزقا ثانيا وكان مقتضى سياق الآيتين أن يقال: هل من رازق أو هل من منعم أو هل من راحم لكن بدل ذلك من قوله:"هل من خالق"ليكون إشارة إلى برهان ثان ينقطع به الخصام ، فإنهم يرون تدبير العالم لآلهتهم بإذن الله فلو قيل: هل من رازق أو منعم غير الله لم ينقطع الخصام وأمكن أن يقولوا نعم آلهتنا بتفويض التدبير من الله إليهم لكن لما قيل:"هل من خالق"أشير بالوصف إلى أن الرازق والمدبر هو خالق الرزق لا غير فانقطع الخصام ولم يمكنهم إلا أن يجيبوا بنفي خالق غير الله يرزقهم من السماء والأرض.

وقوله:"لا إله إلا هو"اعتراض بالتوحيد يفيد التعظيم نظير قوله:"و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه".

أي لا معبود بالحق إلا هو لأن المستحق للعبادة هو الذي ينعم عليكم ويرزقكم وليس إلا الله.

وقوله:"فأنى تؤفكون"توبيخ متفرع على ما سبغ من البرهان أي فإذا كان الأمر هكذا وأنتم تقرون بذلك فإلى متى تصرفون عن الحق إلى الباطل ومن التوحيد إلى الإشراك.

وفي إعراب الآية أعني قوله:"هل من خالق غير الله"الخ.

بين القوم مشاجرات طويلة والذي يناسب ما تقدم من تقرير البرهان أن"من"زائدة للتعميم ، وقوله:"غير الله"صفة لخالق تابع لمحله ، وكذا قوله:"يرزقكم"الخ.

و"من خالق"مبتدأ محذوف الخبر وهو موجود ، وقوله:"لا إله إلا هو"اعتراض ، وقوله:"فأنى تؤفكون"تفريع على ما تقدمه.

قوله تعالى:"و إن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور"تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي وإن يكذبوك بعد استماع هذه البراهين الساطعة فلا تحزن فليس ذلك ببدع فقد كذبت رسل من قبلك كذبتهم أممهم وأقوامهم وإلى الله ترجع عامة الأمور فيجازيهم بما يستحقونه بتكذيبهم الحق بعد ظهوره فليسوا بمعجزين بتكذيبهم.

ومن هنا يظهر أن قوله؟"فقد كذبت رسل من قبلك"من قبيل وضع السبب موضع المسبب وأن قوله:"و إلى الله ترجع الأمور"معطوف على قوله:"قد كذبت"الخ.

قوله تعالى:"يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور"خطاب عام للناس يذكرهم بالمعاد كما كان الخطاب العام السابق يذكرهم بتوحده تعالى في الربوبية والألوهية.

فقوله:"إن وعد الله حق"أي وعده أنه يبعثكم فيجازي كل عامل بعمله إن خيرا وإن شرا"حق أي ثابت واقع ، وقد صرح بهذا الوعد في قوله الآتي:"الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفره وأجر كبير"."

وقوله:"فلا تغرنكم الحياة الدنيا"النهي وإن كان متوجها إلى الحياة الدنيا صورة لكنه في الحقيقة متوجه إليهم ، والمعنى إذا كان وعد الله حقا فلا تغتروا بالحياة الدنيا بالاشتغال بزينتها والتلهي بما ينسيكم يوم الحساب من ملاذها وملاهيها والاستغراق في طلبها والإعراض عن الحق.

وقوله:"و لا يغرنكم بالله الغرور"الغرور بفتح الغين صيغة مبالغة من الغرور بالضم وهو الذي يبالغ في الغرور ومن عادته ذلك ، والظاهر - كما قيل - إن المراد به الشيطان ويؤيده التعليل الواقع في الآية التالية:"إن الشيطان لكم عدو"الخ.

ومعنى غروره بالله توجيهه أنظارهم إلى مظاهر حلمه وعفوه تعالى تارة ومظاهر ابتلائه واستدراجه وكيده أخرى فيرون أن الاشتغال بالدنيا ونسيان الآخرة والإعراض عن الحق والحقيقة لا يستعقب عقوبة ولا يستتبع مؤاخذة ، وأن أبناء الدنيا كلما أمعنوا في طلبهم وتوغلوا في غفلتهم واستغرقوا في المعاصي والذنوب زادوا في عيشهم طيبا وفي حياتهم راحة وبين الناس جاها وعزة فيلقي الشيطان عند ذلك في قلوبهم أن لا كرامة إلا في التقدم في الحياة الدنيا ، ولا خبر عما وراءها وليس ما تتضمنه الدعوة الحقة من الوعد والوعيد وتخبر به النبوة من البعث والحساب والجنة والنار إلا خرافة.

فالمراد بغرور الشيطان الإنسان بالله اغترار الإنسان بما يعامل به الله الإنسان على غفلته وظلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت