و ربما قيل: إن المراد بالغرور الدنيا الغارة للإنسان وأن قوله:"و لا يغرنكم بالله الغرور"تأكيد لقوله:"فلا تغرنكم الحياة الدنيا"بتكراره معنى.
قوله تعالى:"إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا"الخ.
تعليل للنهي المتقدم في قوله:"و لا يغرنكم بالله الغرور"والمراد بعداوة الشيطان أنه لا شأن له إلا أغواء الإنسان وتحريمه سعادة الحياة وحسن العاقبة ، والمراد باتخاذ الشيطان عدوا التجنب من اتباع دعوته إلى الباطل وعدم طاعته فيما يشير إليه في وساوسه وتسويلاته ولذلك علل عداوته بقوله:"إنما يدعوا حزبه".
فقوله؟"إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير"في مقام تعليل ما تقدمه والحزب هو العدة من الناس يجمعهم غرض واحد ، واللام في"ليكونوا"للتعليل فكونهم من أصحاب السعير علة غائية لدعوته ، والسعير النار المسعرة وهو من أسماء جهنم في القرآن.
قوله تعالى:"الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفره وأجر كبير"هذا هو الوعد الحق الذي ذكره الله سبحانه ، وتنكير العذاب للدلالة على التفخيم على أن لهم دركات ومراتب مختلفة من العذاب باختلاف كفرهم وفسوقهم فالإبهام أنسب ويجري نظير الوجهين في قوله:"مغفره وأجر".
قوله تعالى:"أ فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء"تقرير وبيان للتقسيم الذي تتضمنه الآية السابقة أعني تقسيم الناس إلى كافر له عذاب شديد ومؤمن عامل بالصالحات له مغفره وأجر كبير والمراد أنهما لا يستويان فلا تستوي عاقبة أمرهما.
فقوله:"أ فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا"مبتدأ خبره محذوف أي كمن ليس كذلك ، والفاء لتفريع الجملة على معنى الآية السابقة ، والاستفهام للإنكار ، والمراد بمن زين له سوء عمله فرآه حسنا الكافر ويشير به إلى أنه منكوس فهمه مغلوب على عقله يرى عمله على غير ما هو عليه والمعنى أنه لا يستوي من زين له عمله السيىء فرآه حسنا والذي ليس كذلك بل يرى السيىء سيئا.
وقوله:"فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء"تعليل للإنكار السابق في قوله:"أ فمن زين له سوء عمله فرآه حسنا"أي الكافر الذي شأنه ذلك والمؤمن الذي بخلافه لا يستويان لأن الله يضل أحدهما بمشيته وهو الكافر الذي يرى السيئة حسنة ويهدي الآخر بمشيته وهو المؤمن الذي يعمل الصالحات ويرى السيئة سيئة.
وهذا الإضلال إضلال على سبيل المجازاة وليس إضلالا ابتدائيا فلا ضير في انتسابه إلى الله سبحانه.
وبالجملة اختلاف الكافر والمؤمن في عاقبتهما بحسب الوعد الإلهي بالعذاب والرحمة لاختلافهما بالإضلال والهداية الإلهيين واختلافهما بالإضلال والهداية باختلافهما في رؤية السيئة حسنة وعدمها.
وقوله:"فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"الحسرات جمع حسرة وهي الغم لما فأت والندم عليه ، وهي منصوبة لأنه مفعول لأجله والمراد بذهاب النفس عليهم هلاكها فيهم لأجل الحسرات الناشئة من عدم إيمانهم.
والجملة متفرعة على الفرق السابق أي إذا كانت الطائفتان مختلفتين بالإضلال والهداية من جانب الله فلا تهلك نفسك حسرات عليهم إذ كذبوك وكفروا بك فإن الله هو الذي يضلهم جزاء لكفرهم ورؤيتهم السيئة حسنة وهو عليم بما يصنعون فلا يختلط عليه الأمر ولا يفعل بهم إلا الحق ولا يجازيهم إلا بالحق.
ومن هنا يظهر أن قوله:"إن الله عليم بما يصنعون"في موضع التعليل لقوله:"فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"فلا ينبغي للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يهلك نفسه عليهم حسرات حيث ضلوا وحقت عليهم كلمة العذاب فإن الله هو الذي يضلهم لصنعهم وهو عليم بما يصنعون.