فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 4314

قوله تعالى: ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم تشكرون ، ظاهر الجملتين على ما يشعر به لام الغاية أنهما لبيان الغاية غاية أصل الصيام دون حكم الاستثناء فإن تقييد قوله: شهر رمضان بقوله: الذي أنزل فيه القرآن إلى آخره مشعر بنوع من العلية وارتباط فرض صيام شهر رمضان بنزول القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فيعود معنى الغاية إلى أن التلبس بالصوم لإظهار كبريائه تعالى بما نزل عليهم القرآن وأعلن ربوبيته وعبوديتهم ، وشكر له بما هداهم إلى الحق ، وفرق لهم بكتابه بين الحق والباطل.

ولما كان الصوم إنما يتصف بكونه شكرا لنعمه إذا كان مشتملا على حقيقة معنى الصوم وهو الإخلاص لله سبحانه في التنزه عن ألواث الطبيعة والكف عن أعظم مشتهيات النفس بخلاف اتصافه بالتكبير لله فإن صورة الصوم والكف سواء اشتمل على إخلاص النية أو لم يشتمل يدل على تكبيره تعالى وتعظيمه فرق بين التكبير والشكر فقرن الشكر بكلمة الترجي دون التكبير فقال: ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون كما قال: في أول الآيات: لعلكم تتقون.

في الحديث القدسي ، قال الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به.

أقول: وقد رواه الفريقان على اختلاف يسير ، والوجه في كون الصوم لله سبحانه أنه هو العبادة الوحيدة التي تألفت من النفي ، وغيره كالصلاة والحج وغيرهما متألف من الإثبات أو لا يخلو من الإثبات ، والفعل الوجودي لا يتمحض في إظهار عبودية العبد ولا ربوبية الرب سبحانه ، لأنه لا يخلو عن شوب النقص المادي وآفة المحدودية وإثبات الإنية ويمكن أن يجعل لغيره تعالى نصيب فيه كما في موارد الرياء والسمعة والسجدة لغيره بخلاف النفي الذي يشتمل عليه الصوم بالتعالى عن الإخلاد إلى الأرض والتنزه بالكف عن شهوات النفس فإن النفي لا نصيب لغيره تعالى فيه لكونه أمرا بين العبد والرب لا يطلع عليه بحسب الطبع غيره تعالى ، وقوله أنا أجزي به ، إن كان بصيغة المعلوم كان دالا على أنه لا يوسط في إعطاء الأجر بينه وبين الصائم أحدا كما أن العبد يأتي بما ليس بينه وبين ربه في الاطلاع عليه أحد نظير ما ورد: أن الصدقة إنما يأخذها الله من غير توسيطه أحدا ، قال تعالى؟"و يأخذ الصدقات:"التوبة ، - 104 ، وإن كان بصيغة المجهول كان كناية عن أن أجر الصائم القرب منه تعالى.

وفي الكافي ، عن الصادق (عليه السلام) : كان رسول الله أول ما بعث يصوم حتى يقال: ما يفطر ، ويفطر حتى يقال ما يصوم ، ثم ترك ذلك وصام يوما وأفطر يوما وهو صوم داود ، ثم ترك ذلك وصام الثلاثة الأيام الغر ، ثم ترك ذلك وفرقها في كل عشرة يوما خميسين بينهما أربعاء ، فقبض (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يعمل ذلك. وعن عنبسة العابد ، قال: قبض رسول الله على صيام شعبان ورمضان وثلاثة أيام من كل شهر.

أقول: والأخبار من طرق أهل البيت كثيرة في ذلك وهو الصوم المسنون الذي كان يصومه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدا صوم رمضان.

وفي تفسير العياشي ، عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ، قال هي للمؤمنين خاصة. وعن جميل ، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله تعالى: كتب عليكم القتال ، يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام. قال: فقال: هذه كلها يجمع الضلال والمنافقين وكل من أقر بالدعوة الظاهرة. وفي الفقيه ، عن حفص قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ، يقول: إن شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا فقلت له: فقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ، قال إنما فرض الله شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضل الله هذه الأمة وجعل صيامه فرضا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أمته أقول: والرواية ضعيفة بإسماعيل بن محمد في سنده ، وقد روي هذا المعنى مرسلا عن العالم (عليه السلام) وكان الروايتين واحدة ، وعلى أي حال فهي من الآحاد وظاهر الآية لا يساعد على كون المراد من قوله تعالى كما كتب على الذين من قبلكم ، الأنبياء خاصة ولو كان كذلك ، والمقام مقام التوطئة والتمهيد والتحريص والترغيب ، كان التصريح باسمهم أولى من الكناية وأوقع والله العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت