فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 4314

2 سورة البقرة - 285 - 286

ءَامَنَ الرّسولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كلّ ءَامَنَ بِاللّهِ وَمَلَئكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسلِهِ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رّسلِهِ وَقَالُوا سمِعْنَا وَأَطعْنَا غُفْرَانَك رَبّنَا وَإِلَيْك الْمَصِيرُ (285) لا يُكلِّف اللّهُ نَفْسًا إِلا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسبَت وَعَلَيهَا مَا اكْتَسبَت رَبّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَا أَوْ أَخْطأْنَا رَبّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْف عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنت مَوْلَانَا فَانصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ (286)

الكلام في الآيتين كالفذلكة يحصل بها إجمال ما اشتملت عليه السورة من التفاصيل المبينة لغرضها ، وقد مر في ما مر أن غرض السورة بيان أن من حق عبادة الله تعالى: أن يؤمن بجميع ما أنزل على عباده بلسان رسله من غير تفرقة بين رسله ، وهذا هو الذي تشتمل عليه الآية الأولى من قوله ، آمن الرسول إلى قوله: من رسله ، وفي السورة قصص تقص ما أنعم الله به على بني إسرائيل من أنواع نعمه من الكتاب والنبوة والملك وغيرها وما قابلوه من العصيان والتمرد ونقض المواثق والكفر ، وهذا هو الذي يشير إليه وإلى الالتجاء بالله في التجنب عند ذيل الآية الأولى وتمام الآية الثانية ، فالآيتين يرد آخر الكلام في السورة إلى أوله وختمه إلى بدئه.

ومن هنا يظهر خصوصية مقام البيان في هاتين الآيتين ، توضيحه: أن الله سبحانه افتتح هذه السورة بالوصف الذي يجب أن يتصف به أهل التقوى ، أعني ما يجب على العبد من إيفاء حق الربوبية ، فذكر أن المتقين من عباده يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وينفقون من رزق الله ويؤمنون بما أنزل الله على رسوله وعلى الرسل من قبله ويوقنون بالآخرة ، فلا جرم أنعم الله عليهم بهداية القرآن ، وبين بالمقابلة حال الكفار والمنافقين.

ثم فصل القول في أمر أهل الكتاب وخاصة اليهود وذكر أنه من عليهم بلطائف الهداية ، وأكرمهم بأنواع النعم ، وعظائم الحباء ، فلم يقابلوه إلا بالعتو وعصيان الأمر وكفر النعمة ، والرد على الله وعلى رسله ، ومعاداة ملائكته ، والتفريق بين رسل الله وكتبه.

فقابلهم الله بحمل الإصر الشاق من الأحكام عليهم كقتلهم أنفسهم وتحميلهم ما لا طاقة لهم به كالمسخ ونزول الصاعقة والرجز من السماء عليهم.

ثم عاد في خاتمة البيان إلى وصف حال الرسول ومن تبعه من المؤمنين فذكر أنهم على خلاف أهل الكتاب ما قابلوا ربهم فيما أنعم عليهم بالهداية والإرشاد إلا بأنعم القبول والسمع والطاعة ، مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله ، غير مفرقين بين أحد من رسله ، وهم في ذلك حافظون لحكم موقفهم الذي أحاطت به ذلة العبودية وعزة الربوبية ، فإنهم مع إجابتهم المطلقة لداعي الحق اعترفوا بعجزهم عن إيفاء حق الإجابة.

لأن وجودهم مبني على الضعف والجهل فربما قصروا عن التحفظ بوظائف المراقبة بنسيان أو خطإ ، أو قصروا في القيام بواجب العبودية فخانتهم أنفسهم بارتكاب سيئة يوردهم مورد السخط والمؤاخذة كما أورد أهل الكتاب من قبلهم ، فالتجئوا إلى جناب العزة ومنبع الرحمة أن لا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا ، ولا يحمل عليهم إصرا ، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به ، وأن يعفو عنهم ويغفر لهم وينصرهم على القوم الكافرين.

فهذا هو المقام الذي يعتمد عليه البيان في الآيتين الكريمتين ، وهو الموافق كما ترى للغرض المحصل من السورة ، لا ما ذكروه: أن الآيتين متعلقتا المضمون بقوله في الآية السابقة: أن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله الآية الدال على التكليف بما لا يطاق ، وأن الآية الأولى: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون الآية ، حكاية لقبول الأصحاب تكليف ما لا يطاق ، والآية الثانية ناسخة لذلك!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت