فهرس الكتاب

الصفحة 1182 من 4314

5 سورة المائدة - 87 - 89

يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا لا تحَرِّمُوا طيِّبَتِ مَا أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لا يحِب الْمُعْتَدِينَ (87) وَكلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلَلًا طيِّبًا وَاتّقُوا اللّهَ الّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ في أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكم بِمَا عَقّدتّمُ الأَيْمَنَ فَكَفّرَتُهُ إِطعَامُ عَشرَةِ مَسكِينَ مِنْ أَوْسطِ مَا تُطعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسوَتُهُمْ أَوْ تحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لّمْ يجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيّامٍ ذَلِك كَفّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظوا أَيْمَنَكُمْ كَذَلِك يُبَينُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلّكمْ تَشكُرُونَ (89)

الآيات الثلاثة وعدة من الآيات الواقعة بعدها إلى بضع ومائة من آيات السورة آيات مبينة لعدة من فروع الأحكام ، وهي جميعا كالمتخللة بين الآيات المتعرضة لقصص المسيح (عليه السلام) والنصارى ، وهي لكونها طوائف متفرقة نازلة في أحكام متنوعة كل منها ذات استقلال وتمام في ما تقصده من المعنى يشكل القضاء كونها نزلت دفعة أو صاحبت بقية آيات السورة في النزول إذ لا شاهد يشهد بذلك من مضامينها ، وأما ما ورد من أسباب النزول فسيأتي بعض ما هو العمدة منها في البحث الروائي.

وكذلك القول في هذه الآيات الثلاث المبحوث عنها فإن الآية الثالثة مستقلة في معناها ، وتستقل عنها الآية الأولى وإن لم تخلو من نوع من المناسبة فبينهما بعض الارتباط من جهة أن من جملة مصاديق لغو اليمين أن تتعلق بتحريم بعض الطيبات مما أحله الله تعالى ، ولعل هذا هو الداعي لمن نقل عنه في أسباب النزول أنه ذكر نزول الآيات جميعا في اليمين اللاغية.

هذا حال الآية الأولى مع الثالثة ، وأما الآية الثانية فكأنها من تمام الآية الأولى كما يشهد به بعض الشهادة ذيلها أعني قوله تعالى:"و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون"بل وصدرها حيث يشتمل على العطف ، وعلى الأمر بأكل الحلال الطيب الذي تنهى الآية الأولى عن تحريمه واجتنابه ، وبذلك تلتئم الآيتان معنى وتتحدان حكما ذواتي سياق واحد.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم"، قال الراغب في المفردات: الحرام الممنوع منه إما بتسخير إلهي ، وإما بمنع قهري ، وإما بمنع من جهة العقل أو جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره ، انتهى موضع الحاجة.

وقال أيضا: أصل الحل حل العقدة ، ومنه قوله عز وجل:"و احلل عقدة من لساني"، وحللت: نزلت ، أصله من حل الأحمال عند النزول ثم جرد استعماله للنزول فقيل: حل حلولا وأحله غيره ، قال عز وجل:"أو تحل قريبا من دارهم ، وأحلوا قومهم دار البوار"، ويقال: حل الدين وجب أداؤه ، والحلة القوم النازلون وحي حلال مثله ، والمحلة مكان النزول ، وعن حل العقدة استعير قولهم: حل الشيء حلا قال الله تعالى:"و كلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا"، وقال تعالى:"هذا حلال وهذا حرام"، انتهى.

فالظاهر أن مقابلة الحل الحرمة وكذا التقابل بين الحل والحرم أو الإحرام من جهة تخيل العقد في المنع الذي هو معنى الحرمة وغيرها ثم مقابلته بالحل المستعار لمعنى الجواز والإباحة ، واللفظان أعني الحل والحرمة من الحقائق العرفية قبل الإسلام دون الشرعية أو المتشرعة.

والآية أعني قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا""إلخ"، تنهى المؤمنين عن تحريم ما أحل الله لهم وتحريم ، ما أحل الله هو جعله حراما كما جعله الله تعالى حلالا وذلك إما بتشريع قبال تشريع ، وإما بالمنع أو الامتناع بأن يترك شيئا من المحللات بالامتناع عن إتيانه أو منع نفسه أو غيره من ذلك فإن ذلك كله تحريم ومنع ومنازعة لله سبحانه في سلطانه واعتداء عليه ينافي الإيمان بالله وآياته ، ولذلك صدر النهي بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"فإن المعنى: لا تحرموا ما أحل الله لكم وقد آمنتم به وسلمتم لأمره.

ويؤيده أيضا قوله في ذيل الآية التالية:"و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت