بِسمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ طسم (1) تِلْك ءَايَت الْكِتَبِ الْمُبِينِ (2) لَعَلّك بَخِعٌ نّفْسك أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِن نّشأْ نُنزِّلْ عَلَيهِم مِّنَ السمَاءِ ءَايَةً فَظلّت أَعْنَقُهُمْ لهََا خَضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرّحْمَنِ محْدَثٍ إِلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذّبُوا فَسيَأْتِيهِمْ أَنبَؤُا مَا كانُوا بِهِ يَستهْزِءُونَ (6) أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى الأَرْضِ كمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنّ في ذَلِك لاَيَةً وَمَا كانَ أَكْثرُهُم مّؤْمِنِينَ (8) وَإِنّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ (9)
غرض السورة تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبال ما كذبه قومه وكذبوا بكتابه النازل عليه من ربه - على ما يلوح إليه صدر السورة: تلك آيات الكتاب المبين - وقد رموه تارة بأنه مجنون وأخرى بأنه شاعر ، وفيها تهديدهم مشفعا ذلك بإيراد قصص جمع من الأنبياء وهم موسى وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب (عليهما السلام) وما انتهت إليه عاقبة تكذيبهم لتتسلى به نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يحزن بتكذيب أكثر قومه وليعتبر المكذبون.
والسورة من عتائق السور المكية وأوائلها نزولا وقد اشتملت على قوله تعالى:"و أنذر عشيرتك الأقربين".
وربما أمكن أن يستفاد من وقوع هذه الآية في هذه السورة ووقوع قوله:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"في سورة الحجر وقياس مضمونيهما كل مع الأخرى أن هذه السورة أقدم نزولا من سورة الحجر وظاهر سياق آيات السورة أنها جميعا مكية واستثنى بعضهم الآيات الخمس التي في آخرها ، وبعض آخر قوله:"أ ولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل"وسيجيء الكلام فيهما.
قوله تعالى:"طسم تلك آيات الكتاب المبين"الإشارة بتلك إلى آيات الكتاب مما سينزل بنزول السورة وما نزل قبل ، وتخصيصها بالإشارة البعيدة للدلالة على علو قدرها ورفعة مكانتها ، والمبين من أبان بمعنى ظهر وانجلى.
والمعنى: تلك الآيات العالية قدرا الرفيعة مكانا آيات الكتاب الظاهر الجلي كونه من عند الله سبحانه بما فيه من سمة الإعجاز وإن كذب به هؤلاء المشركون المعاندون ورموه تارة بأنه من إلقاء شياطين الجن وأخرى بأنه من الشعر.
قوله تعالى:"لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين"البخوع هو إهلاك النفس عن وجد ، وقوله:"ألا يكونوا مؤمنين"تعليل للبخوع ، والمعنى: يرجى منك أن تهلك نفسك بسبب عدم إيمانهم بآيات هذا الكتاب النازل عليك.
والكلام مسوق سوق الإنكار والغرض منه تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قوله تعالى:"إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين"متعلق المشية محذوف لدلالة الجزاء عليه ، وقوله:"فظلت"إلخ ، ظل فعل ناقص اسمه"أعناقهم"وخبره"خاضعين"ونسب الخضوع إلى أعناقهم وهو وصفهم أنفسهم لأن الخضوع أول ما يظهر في عنق الإنسان حيث يطأطىء رأسه تخضعا فهو من المجاز العقلي.
والمعنى: إن نشأ أن ننزل عليهم آية تخضعهم وتلجئهم إلى القبول وتضطرهم إلى الإيمان ننزل عليهم آية كذلك فظلوا خاضعين لها خضوعا بينا بانحناء أعناقهم.
وقيل: المراد بالأعناق الجماعات وقيل: الرؤساء والمقدمون منهم ، وقيل: هو على تقدير مضاف والتقدير فضلت أصحاب أعناقهم خاضعين لها.
وهو أسخف الوجوه.
قوله تعالى:"و ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين"بيان لاستمرارهم على تكذيب آيات الله وتمكن الإعراض عن ذكر الله في نفوسهم بحيث كلما تجدد عليهم ذكر من الرحمن ودعوا إليه دفعه بالإعراض.
فالغرض بيان استمرارهم على الإعراض عن كل ذكر أتاهم لا أنهم يعرضون عن محدث الذكر ويقبلون إلى قديمه وفي ذكر صفة الرحمن إشارة إلى أن الذكر الذي يأتيهم إنما ينشأ عن صفة الرحمة العامة التي بها صلاح دنياهم وأخراهم.
وقد تقدم في تفسير أول سورة الأنبياء كلام في معنى الذكر المحدث فراجع.