19 سورة مريم - 66 - 72
وَيَقُولُ الانسنُ أَ ءِذَا مَا مِت لَسوْف أُخْرَجُ حَياّ (66) أَ وَلا يَذْكرُ الانسنُ أَنّا خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَك شيْئًا (67) فَوَ رَبِّك لَنَحْشرَنّهُمْ وَالشيَطِينَ ثُمّ لَنُحْضِرَنّهُمْ حَوْلَ جَهَنّمَ جِثِيّا (68) ثمّ لَنَنزِعَنّ مِن كلِّ شِيعَةٍ أَيهُمْ أَشدّ عَلى الرّحْمَنِ عِتِيّا (69) ثمّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالّذِينَ هُمْ أَوْلى بهَا صِلِيّا (70) وَإِن مِّنكمْ إِلا وَارِدُهَا كانَ عَلى رَبِّك حَتْمًا مّقْضِيّا (71) ثمّ نُنَجِّى الّذِينَ اتّقَوا وّ نَذَرُ الظلِمِينَ فِيهَا جِثِيّا (72)
عود إلى ما قبل قوله:"و ما نتنزل إلا بأمر ربك"الآيتين ومضى في الحديث السابق وهو كالتذنيب لقوله:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا"بذكر بعض ما تفوهوا به عن غيهم وقد خص بالذكر قول لهم في المعاد وآخر في النبوة وآخر في المبدإ.
ففي هذه الآيات أعني قوله:"و يقول الإنسان - إلى قوله - ونذر الظالمين فيها جثيا"وهي سبع آيات ذكر استبعادهم للبعث والجواب عنه وذكر الإشارة إلى ما لقولهم هذا من التبعة والوبال.
قوله تعالى:"و يقول الإنسان ء إذا ما مت لسوف أخرج حيا"إنكار للبعث في صورة الاستبعاد ، وهو قول الكفار من الوثنيين ومن يلحق بهم من منكري الصانع بل مما يميل إليه طبع الإنسان قبل الرجوع إلى الدليل ، قيل: ولذلك نسب القول إلى الإنسان حينما كان مقتضى طبع الكلام أن يقال: ويقول الكافر ، أو: ويقول الذين كفروا"إلخ"، وفيه أنه لا يلائم قوله الآتي:"فو ربك لنحشرنهم والشياطين - إلى قوله - صليا".
وليس ببعيد أن يكون المراد بالإنسان القائل ذلك هو الكافر المنكر للبعث وإنما عبر بالإنسان لكونه لا يترقب منه ذلك وقد جهزه الله تعالى بالإدراك العقلي وهو يذكر أن الله خلقه من قبل ولم يك شيئا ، فليس من البعيد أن يعيده ثانيا فاستبعاده مستبعد منه ، ولذا كرر لفظ الإنسان حيث أخذ في الجواب قائلا:"أ ولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا"أي أنه إنسان لا ينبغي له أن يستبعد وقوع ما شاهد وقوع مثله وهو غير ناسية.
ولعل التعبير بالمضارع في قوله:"و يقول الإنسان"للإشارة إلى استمرار هذا الاستبعاد بين المنكرين للمعاد والمرتابين فيه.
قوله تعالى:"أ ولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا"الاستفهام للتعجيب والاستبعاد ومعنى الآية ظاهر وقد أخذ فيها برفع الاستبعاد بذكر وقوع المثل ليثبت به الإمكان ، فالآية نظيرة قوله تعالى في موضع آخر:"و ضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة - إلى أن قال - أ وليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم": يس: 81.
فإن قيل: الاحتجاج بوقوع المثل إنما ينتج إمكان المثل والمطلوب في إثبات المعاد هو رجوع الإنسان بشخصه وعينه لا بمثله فإن مثل الشيء غيره ، قيل: إن هذه الآيات بصدد إثبات رجوع الأجساد والمخلوق منها ثانيا مثل المخلوق أولا وشخصية الشخص الإنساني بنفسه لا ببدنه فإذا خلق البدن ثانيا وتعلقت به النفس كان شخص الإنسان الدنيوي بعينه وإن كان البدن وهو جزء الإنسان بالقياس إلى البدن الدنيوي مثلا لا عينا وهذا كما أن شخصية الإنسان ووحدته محفوظة في الدنيا مدى عمره مع تغير البدن وتبدله بتغير أجزائه وتبدلها حالا بعد حال والبدن في الحال الثاني غيره في الحال الأول لكن الإنسان باق في الحالين على وحدته الشخصية لبقاء نفسه بشخصها.
وإلى هذا يشير قوله تعالى:"و قالوا ء إذا ضللنا في الأرض ء إنا لفي خلق جديد - إلى أن قال - قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم:"الم السجدة: 11"أي إنكم مأخوذون من أبدانكم محفوظون لا تضلون ولا تفتقدون."
قوله تعالى:"فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا"الجثي في أصله على فعول جمع جاثي وهو البارك على ركبتيه ، ونسب إلى ابن عباس أنه جمع جثوة وهو المجتمع من التراب والحجارة ، والمراد أنهم يحضرون زمرا وجماعات متراكما بعضهم على بعض ، وهذا المعنى أنسب للسياق.