فكان ملك الوحي لما تنزل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسورة وأوحى إليه الآيات الثلاث والستين منها وهي مشتملة على دعوة كاملة إلى الدين الحنيف خاطبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه لم يتنزل وليس يتنزل بما تنزل به من عند نفسه بل عن أمر من ربه وبرسالة من عنده فالكلام كلامه والدعوة دعوته وهو رب النبي ورب كل شيء فليعبده وحده فليس هناك رب آخر يعدل عنه إليه فالآيتان مما أوحي إلى ملك الوحي ليلقيه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تثبيتا له وتأكيدا للآيات السابقة.
وهذا نظير أن يرسل ملك رسولا بكتاب من عنده أو رسالة إلى بعض عماله فيأتيه الرسول ثم إذا قرأ الكتاب أو أدى الرسالة قال للعامل: إني ما جئتك من عند نفسي بل بأمر من الملك وإشارة منه والكتاب كتابه والرسالة قوله وحكمه وهو مليكك ومليك عامة من في المملكة فاسمع له وأطع وأقم على ذلك فليس هناك مليك غيره حتى تعدل عنه إليه.
فكلام هذا الرسول تأكيد لكلام الملك وإذا فرض أن الملك ، هو الذي أمره أن يعقب رسالته بهذا الكلام كان الكلام كلاما للرسول ورسالة أيضا عن قبل الملك وكلامه.
وغير خفي عليك أن هذا الوجه أوفق بالآيتين وأوضح انطباقا عليهما مما تذكره روايات سبب النزول على ما فيها من الاختلاف والوهن.