فهرس الكتاب

الصفحة 2855 من 4314

و تشترك الأقوال الثلاثة الأخيرة في أن الماءات عليها مكانية كما يشترك السبعة في أن الماءات عليها زمانية وهناك قول بكون الآية تعم الزمان والمكان فهذه أحد عشر قولا ولا دليل على شيء منها مع ما فيها من قياس الملك على الإنسان والوجه ما قدمناه.

فقوله:"له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك"يفيد إحاطة ملكه تعالى بهم ملكا حقيقيا لا يجري فيه تصرف غيره ولا إرادة من سواه إلا عن إذن منه ومشية وإذ لا معصية للملائكة فلا تفعل فعلا إلا عن أمره ومن بعد إذنه ولا تريد إلا ما أراده الله فلا يتنزل ملك إلا بأمر ربه.

وقد تقرر بهذا البيان أن قوله:"له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك"في مقام التعليل لقوله:"و ما نتنزل إلا بأمر ربك"وأن قوله:"و ما كان ربك نسيا"- والنسي فعول من النسيان - من تمام التعليل أي أنه تعالى لا ينسى شيئا من ملكه حتى يختل بإهماله أمر التدبير فلا يأمر بالنزول حينما يجب فيه النزول أو يأمر به حينما لا يجب وهكذا وكان هذا هو وجه العدول في الآية عن إثبات العلم أو الذكر إلى نفي النسيان.

وقيل المعنى وما كان ربك نسيا أي تاركا لأنبيائه أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ولم تكن عن تركه تعالى لك وتوديعه إياك.

وفيه أنه وإن وافق ما تقدم من سبب النزول بوجه لكن يبقى معه التعليل بقوله:"له ما بين أيدينا"إلخ ، ناقصا وينقطع قوله:"رب السموات والأرض وما بينهما"عما تقدمه كما سيتضح.

قوله تعالى:"رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا"صدر الآية أعني قوله:"رب السموات والأرض وما بينهما"تعليل لقوله في الآية السابقة"له ما بين أيدينا وما خلفنا"إلى آخر الآية أي كيف لا يملك ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وكيف يكون نسيا وهو تعالى رب السماوات والأرض وما بينهما؟ ورب الشيء هو مالكه ، المدبر لأمره ، فملكه وعدم نسيانه مقتضى ربوبيته.

وقوله:"فاعبده واصطبر لعبادته"تفريع على صدر الآية والمعنى إذا كنا لا نتنزل إلا بأمر ربك وقد نزلنا عليك هذا الكلام المتضمن للدعوة إلى عبادته فالكلام كلامه والدعوة دعوته فاعبده وحده واصطبر لعبادته فليس هناك من يسمى ربا غير ربك حتى لا تصطبر على عبادة ربك وتنتقل إلى عبادة ذلك الغير الذي يسمى ربا فتكتفي بعبادته عن عبادة ربك أو تشرك به وربما قيل: إن الجملة تفريع على قوله:"رب السماوات والأرض"أو على قوله:"و ما كان ربك نسيا"أي لم ينسك ربك فاعبده"إلخ"والوجهان كما ترى.

وقد بان بهذا التقرير أمور: أحدها أن قوله:"هل تعلم له سميا"من تمام البيان المقصود بقوله:"فاعبده واصطبر لعبادته"وهو في مقام التعليل له.

والثاني أن المراد بالسمي المشارك في الاسم والمراد بالاسم هو الرب لأن مقتضى بيان الآية ثبوت الربوبية المطلقة له تعالى على كل شيء فهو يقول: هل تعلم من اتصف بالربوبية فسمي لذلك ربا حتى تعدل عنه إليه فتعبده دونه.

وبذلك يظهر عدم استقامة عامة ما قيل في معنى السمي في الآية فقد قيل: إن المراد بالسمي المماثل مجازا ، وقيل: السمي بمعنى الولد وقيل: هو بمعناه الحقيقي غير أن المراد بالاسم الذي لا مشاركة فيه هو رب السماوات والأرض وقيل: هو اسم الجلالة ، وقيل: هو الإله ، وقيل: هو الرحمن ، وقيل: هو الإله الخالق الرازق المحيي المميت القادر على الثواب والعقاب.

والثالث: أن النكتة في إضافة الرب إلى ضمير الخطاب وتكراره في الآية الأولى إذ قال: بأمر ربك وقال: وما كان ربك ولم يقل: ربنا هي التوطئة لما في ذيل الكلام من توحيد الرب ففي قوله:"ربك"إشارة إلى أن ربنا الذي نتنزل عن أمره هو ربك فالدعوة دعوته فاعبده ، ويمكن أن تكون هذه هي النكتة فيما في مفتتح السورة إذ قال:"ذكر رحمة ربك"إلخ لأن الآيات كما نبهنا عليه ذات سياق واحد لغرض واحد.

والرابع: أن قوله:"فاعبده واصطبر لعبادته"مسوق لتوحيد العبادة وليس أمرا بالعبادة وأمرا بالثبات عليها وإدامتها إلا من جهة الملازمة فافهم ذلك.

ويمكن أن يستفاد من التفريع أنه تأكيد للبيان الذي يتضمنه السياق السابق على هاتين الآيتين وبذلك يظهر اتصالهما بالآيات السابقة عليهما من غير أن تؤخذا معترضتين من كل جهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت