قوله تعالى:"و كذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا"ظاهر سياقها أن الإشارة بكذلك إلى خصوصيات بيان الآيات ، و"قرآنا عربيا"حال من الضمير في"أنزلناه"والتصريف ، هو التحويل من حال إلى حال ، والمعنى وعلى ذلك النحو من البيان المعجز أنزلنا الكتاب والحال أنه قرآن مقرو عربي وأتينا فيه ببعض ما أوعدناهم في صورة بعد صورة.
وقوله:"لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا"قد أورد فيما تقدم من قوله:"لعله يتذكر أو يخشى"الذكر مقابلا للخشية ويستأنس منه أن المراد بالاتقاء هاهنا هو التحرز من المعاداة واللجاج الذي هو لازم الخشية باحتمال الضرر دون الاتقاء المترتب على الإيمان بإتيان الطاعات واجتناب المعاصي ، ويكون المراد بإحداث الذكر لهم حصول التذكر فيهم وتتم المقابلة بين الذكر والتقوى من غير تكلف.
والمعنى - والله أعلم - لعلهم يتحرزون المعاداة مع الحق لحصول الخشية في قلوبهم باحتمال الخطر لاحتمال كونه حقا أو يحدث لهم ذكرا للحق فيعتقدوا به.
قوله تعالى:"فتعالى الله الملك الحق"تسبيح وتنزيه له عن كل ما لا يليق بساحة قدسه ، وهو يقبل التفرع على إنزال القرآن وتصريف الوعيد فيه لهداية الناس والتفرع عليه وعلى ما ذكر قبله من حديث الحشر والجزاء وهذا هو الأنسب نظرا إلى انسلاك الجميع في سلك واحد وهو أنه تعالى ملك يتصرف في ملكه بهداية الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم ثم إحضارهم وجزائهم على ما عملوا من خير أو شر.
فتعالى الله الذي يملك كل شيء ملكا مطلقا لا مانع من تصرفه ولا معقب لحكمه يرسل الرسل وينزل الكتب لهداية الناس وهو من شئون ملكه ثم يبعثهم بعد موتهم ويحضرهم فيجزيهم على ما عملوا وقد عنوا للحي القيوم وهذا أيضا من شئون ملكه فهو الملك في الأولى والآخرة وهو الحق الثابت على ما كان لا يزول عما هو عليه.
ويمكن أن يتفرع على جميع ما تقدم من قصة موسى وما فرع عليها إلى هنا ويكون بمنزلة ختم ذلك بالتسبيح والاستعظام.
قوله تعالى:"و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما"السياق يشهد بأن في الكلام تعرضا لتلقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحي القرآن ، فضمير"وحيه"للقرآن ، وقوله:"و لا تعجل بالقرآن"نهي عن العجل بقراءته ، ومعنى قوله:"من قبل أن يقضى إليك وحيه"من قبل أن يتم وحيه من ملك الوحي.
فيفيد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا جاءه الوحي بالقرآن يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل أن يتم الوحي فنهى عن أن يعجل في قراءته قبل انقضاء الوحي وتمامه فيكون الآية في معنى قوله تعالى في موضع آخر:"لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه:"القيامة: 18.
ويؤيد هذا المعنى قوله بعد:"و قل رب زدني علما"فإن سياق قوله: لا تعجل به وقل رب زدني ، يفيد أن المراد هو الاستبدال أي بدل الاستعجال في قراءة ما لم ينزل بعد ، طلبك زيادة العلم ويئول المعنى إلى أنك تعجل بقراءة ما لم ينزل بعد لأن عندك علما به في الجملة لكن لا تكتف به واطلب من الله علما جديدا بالصبر واستماع بقية الوحي.
وهذه الآية مما يؤيد ما ورد من الروايات أن للقرآن نزولا دفعة واحدة غير نزوله نجوما على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلو لا علم ما منه بالقرآن قبل ذلك لم يكن لعجله بقراءة ما لم ينزل منه بعد معنى.
وقيل: المراد بالآية ولا تعجل بقراءة القرآن لأصحابك وإملائه عليهم من قبل أن يتبين لك معانيه ، وأنت خبير بأن لفظ الآية لا تعلق له بهذا المعنى.
وقيل: المراد ولا تسأل إنزال القرآن قبل أن يقضي الله وحيه إليك ، وهو كسابقه غير منطبق على لفظ الآية.
في تفسير القمي ،: في قوله تعالى:"إذ يقول أمثلهم طريقة"قال: أعلمهم وأصلحهم يقولون:"إن لبثتم إلا يوما". وفي المجمع ،: قيل إن رجلا من ثقيف سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : كيف تكون الجبال مع عظمها يوم القيامة؟ فقال: إن الله يسوقها بأن يجعلها كالرمال ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.