فهرس الكتاب

الصفحة 3382 من 4314

و قوله:"أ فلا يبصرون"تنبيه وتوبيخ وتخصيص هذه الآية بالإبصار ، والآية السابقة بالسمع لما أن العلم بإهلاك الأمم الماضين إنما هو بالأخبار التي تنال من طريق السمع وأما العلم بسوق الأمطار إلى الأرض الجرز وإخراج الزرع واغتذاء الأنعام والإنسان فالطريق إليه حاسة البصر.

قوله تعالى:"و يقولون متى هذا الفتح - إلى قوله - ولا هم ينظرون"قال الراغب: الفتح إزالة الإغلاق والإشكال - إلى أن قال - وفتح القضية فتاحا فصل الأمر فيها وأزال الإغلاق عنها ، قال:"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين"انتهى.

وقد تقدم في الآيات السابقة مما يصدق عليه الفتح بمعنى الفصل أمران: أحدهما فصل بينهم يوم القيامة ، والآخر إذاقة العذاب الأدنى أو الانتقام منهم في الدنيا ولذا فسر الفتح بعضهم بيوم القيامة فيكون معنى قولهم: متى هذا الفتح إن كنتم صادقين هو معنى قولهم المحكي كرارا في كلامه تعالى:"متى هذا الوعد إن كنتم صادقين".

وفسره بعضهم بيوم بدر فإنه لم ينفع الذين قتلوا من المشركين إيمانهم بعد القتل.

وذكر بعضهم أن المراد به فتح مكة ولا يلائمه الجواب المذكور في قوله:"قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون"إلا أن يقول قائل: إن إيمانهم يومئذ - وقد عاندوا الحق وقاتلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سنين وجاهدوا في إطفاء نور الله - لم يكن إيمانا إلا نفاقا من غير أن يدخل في قلوبهم وينتفع به نفوسهم وقد ألزموا بالإيمان ولم ينظروا.

ويمكن أن يكون المراد هو القضاء بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين الأمة ويكون ذلك في آخر الزمان كما تقدمت الإشارة إليه في تفسير قوله:"و لكل أمة رسول"الآية ،: يونس: 47.

وكيف كان فالمراد بالآيتين استعجال المشركين بالفتح والجواب أنه فتح لا ينفع حال الذين كفروا إيمانهم لأنه ظرف لا ينفع نفسا إيمانها ولا أن العذاب يمهلهم وينظرهم.

قوله تعالى:"فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون"أمر بالإعراض عنهم وانتظار الفتح كما أنهم ينتظرون وإنما كانوا منتظرين موته أو قتله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالجملة انقطاع دابر دعوته الحقة فلينتظر هو كما هم ينتظرون حتى يظهر الله الحق على الباطل والمحق على المبطل.

ومن هذا السياق يظهر أن المراد بالفتح الفتح الدنيوي.

في الدر المنثور ، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:"تتجافى جنوبهم عن المضاجع"، قال: هم الذين لا ينامون قبل العشاء فأثنى عليهم فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير. أقول: ورواها أيضا فيه بطرق أخر موصولة وموقوفة ، وروى صدر الحديث الشيخ في أماليه بالإسناد عن الصادق (عليه السلام) في الآية ولفظه كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة.

وفي الكافي ، بإسناده عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أ لا أخبرك بالإسلام أصله وفرعه وذروة سنامه؟ قلت: بلى جعلت فداك. قال: أما أصله فالصلاة وفرعه الزكاة وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير: قلت: نعم جعلت فداك. قال: الصوم جنة والصدقة تذهب بالخطيئة وقيام الرجل في جوف الليل يذكر الله ثم قرأ:"تتجافى جنوبهم عن المضاجع"أقول: وروى هذا المعنى في المحاسن ، بإسناده عن علي بن عبد العزيز عن الصادق (عليه السلام) وفي المجمع ، عن الواحدي بالإسناد عن معاذ بن جبل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ورواه في الدر المنثور ، عن الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن معاذ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير عن مجاهد قال: ذكر لنا رسول الله قيام الليل ففاضت عيناه حتى تحادرت دموعه فقال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع.

وفيه ، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والطبراني وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة من طريق أبي صخر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يصف الجنة حتى انتهى. ثم قال: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قرأ:"تتجافى جنوبهم عن المضاجع"الآيتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت