فهرس الكتاب

الصفحة 3381 من 4314

و قيل: التقدير من لقائك الكتاب أو من لقاء الكتاب إياك.

وقيل: الضمير لما لقي موسى من الأذى من قومه والمعنى: فلا تكن في مرية من لقاء الأذى كما لقيه موسى من قومه وأنت خبير بأن الطبع السليم لا يقبل شيئا من هذه الوجوه - على أنها لا تفي لبيان وجه اتصال الآية بما قبلها.

ومن الممكن - والله أعلم - أن يرجع ضمير لقائه إليه تعالى والمراد بلقائه البعث بعناية أنه يوم يحضرون لربهم لا حجاب بينه وبينهم كما تقدم ، وقد عبر عنه باللقاء قبل عدة آيات في قوله:"بل هم بلقاء ربهم كافرون"، ثم عبر عنه بما في معناه في قوله:"ناكسوا رءوسهم عند ربهم".

فيكون المعنى: ولقد آتينا موسى الكتاب كما آتيناك القرآن فلا تكن في مرية من البعث الذي ينطق به القرآن بالشك في نفس القرآن وقد أيد نزول القرآن عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) بنزول التوراة على موسى في مواضع من القرآن ، ويؤيده قوله بعد:"و جعلناه هدى لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا"إلخ.

ويمكن أن يكون المراد بلقائه الانقطاع التام إليه تعالى عند وحي القرآن أو بعضه كما في بعض الروايات ، فيكون رجوعا إلى ما في صدر السورة من قوله:"تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين"، وذيل الآية أشد تأييدا لهذا الوجه من سابقه والله أعلم.

وقوله:"و جعلناه هدى لبني إسرائيل"أي هاديا فالمصدر بمعنى اسم الفاعل أو بمعناه المصدري مبالغة.

قوله تعالى:"و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون"أي وجعلنا من بني إسرائيل أئمة يهدون الناس بأمرنا وإنما نصبناهم أئمة هداة للناس حين صبروا في الدين وكانوا قبل ذلك موقنين بآياتنا.

وقد تقدم البحث عن معنى الإمامة وهداية الإمام بأمر الله في تفسير قوله:"قال إني جاعلك للناس إماما": البقرة: 124 ، وقوله:"و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا": الأنبياء: 73 ، وغير ذلك من الموارد المناسبة.

وقد تضمنت هاتان الآيتان من الرحمة المنبسطة بالتوراة أنها هدى في نفسه يهدي من اتبعه إلى الحق ، وأنها أنشأت في حجر تربيتها أناسا اجتباهم الله للإمامة فصاروا يهدون بأمره فهي مباركة للعمل بها ومباركة بعد العمل.

قوله تعالى:"إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون"يريد اختلافهم في الدين وإنما كان ذلك بغيا بينهم كما يذكره في مواضع من كلامه كقوله:"و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب - إلى أن قال - فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": الجاثية: 17.

فالمراد بقوله:"يفصل بينهم"القضاء الفاصل بين الحق والباطل والمحق والمبطل والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"أ ولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم"إلخ ، العطف على محذوف كأنه قيل: أ لم يبين لهم كذا وكذا ، أ ولم يهد لهم إلخ ، والهداية بمعنى التبيين أو هو مضمن معنى التبيين ولذا عدي باللام.

وقوله:"كم أهلكنا من قبلهم من القرون"مشير إلى الفاعل قائم مقامه ، والمعنى: أ ولم يبين لهم كثرة من أهلكنا من القرون والحال أنهم يمشون في مساكنهم.

وقوله:"إن في ذلك لآيات أ فلا يسمعون"المراد بالسمع سمع المواعظ المؤدي إلى طاعة الحق وقبوله.

قوله تعالى:"أ ولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم"إلخ ، قال في المجمع: ، السوق الحث على السير من ساقه يسوقه ، وقال: الجرز الأرض اليابسة التي ليس فيها نبات لانقطاع الأمطار عنها.

انتهى.

والزرع مصدر في الأصل والمراد به هنا المزروع.

والآية تذكر آية أخرى من آيات الله سبحانه تدل على حسن تدبيره للأشياء وخاصة ذوي الحياة منها كالأنعام والإنسان ، والمراد بسوق الماء إلى الأرض الخالية من النبات سوق السحب الحاملة للأمطار إليها ، ففي نزول ماء المطر منها حياة الأرض وخروج الزرع واغتذاء الإنسان والأنعام التي يسخرها ويربيها لمقاصد حياته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت