و قوله:"يدعون ربهم خوفا وطمعا"حال من ضمير جنوبهم والمراد اشتغالهم بدعاء ربهم في جوف الليل حين تنام العيون وتسكن الأنفاس لا خوفا من سخطه تعالى فقط حتى يغشيهم اليأس من رحمة الله ولا طمعا في ثوابه فقط حتى يأمنوا غضبه ومكره بل يدعونه خوفا وطمعا فيؤثرون في دعائهم أدب العبودية على ما يبعثهم إليه الهدى وهذا التجافي والدعاء ينطبق على النوافل الليلية.
وقوله:"و مما رزقناهم ينفقون"عمل آخر لهم وهو الإنفاق لله وفي سبيله.
قوله تعالى:"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون"تفريع لما لهم من الأوصاف والأعمال يصف ما أعد الله لهم من الثواب.
ووقوع نفس وهي نكرة في سياق النفي يفيد العموم ، وإضافة قرة إلى أعين لا أعينهم تفيد أن فيما أخفي لهم قرة عين كل ذي عين.
والمعنى: فلا تعلم نفس من النفوس - أي هو فوق علمهم وتصورهم - ما أخفاه الله لهم مما تقر به عين كل ذي عين جزاء في قبال ما كانوا يعملون في الدنيا.
قوله تعالى:"أ فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون"الإيمان سكون علمي خاص من النفس بالشيء ولازمه الالتزام العملي بما آمن به والفسق هو الخروج عن الالتزام المذكور من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها ومآل معناه الخروج عن زي العبودية.
والاستفهام في الآية للإنكار ، وقوله:"لا يستون"نفي لاستواء الفريقين تأكيدا لما يفيده الإنكار السابق.
قوله تعالى:"أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون"المأوى المكان الذي يأوي إليه ويسكن فيه الإنسان ، والنزل بضمتين كل ما يعد للنازل في بيت من الطعام والشراب ، ثم عمم كما قيل لكل عطية ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و أما الذين فسقوا فمأواهم النار"إلى آخر الآية ، كون النار مأواهم لازمه خلودهم فيها ولذلك عقبه بقوله:"كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها"، وقوله:"و قيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون"دليل على أن المراد بالذين فسقوا هم منكرو المعاد وخطابهم وهم في النار بهذا الخطاب شماتة بهم وكثيرا ما كانوا يشمتون في الدنيا بالمؤمنين لقولهم بالمعاد.
قوله تعالى:"و لنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون"لما كان غاية إذاقتهم العذاب رجوعهم المرجو والرجوع المرجو هو الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة كان المراد بالعذاب الأدنى هو عذاب الدنيا النازل بهم للتخويف والإنذار ليتوبوا دون عذاب الاستئصال ودون العذاب الذي بعد الموت وحينئذ المراد بالعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة.
والمعنى: أقسم لنذيقنهم من العذاب الأدنى أي الأقرب مثل السنين والأمراض والقتل ونحو ذلك قبل العذاب الأكبر يوم القيامة لعلهم يرجعون إلينا بالتوبة من شركهم وجحودهم.
قيل: سمي عذاب الدنيا أدنى ولم يقل: الأصغر ، حتى يقابل الأكبر لأن المقام مقام الإنذار والتخويف ولا يناسبه عد العذاب أصغر ، وكذا لم يقل دون العذاب الأبعد حتى يقابل العذاب الأدنى لعدم ملاءمته مقام التخويف.
قوله تعالى:"و من أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون"كأنه في مقام التعليل لما تقدم من عذابهم بالعذاب الأكبر بما أنهم مكذبون فعلله بأنهم ظالمون أشد الظلم بالإعراض عن الآيات بعد التذكرة فيكونون مجرمين والله منتقم منهم.
فقوله:"و من أظلم"إلخ تعليل لعذابهم بأنهم ظالمون أشد الظلم ثم قوله:"إنا من المجرمين منتقمون"، تعليل لعذاب الظالمين بأنهم مجرمون والعذاب انتقام منهم ، والله منتقم من المجرمين.
قوله تعالى:"و لقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل"المراد بالكتاب التوراة والمرية الشك والريب.
وقد اختلفوا في مرجع الضمير في قوله:"من لقائه"ومعنى الكلمة فقيل: الضمير لموسى وهو مفعول اللقاء والتقدير فلا تكن في مرية من لقائك موسى وقد لقيه ليلة المعراج كما وردت به الروايات فإن كانت السورة نازلة بعد المعراج فهو تذكرة لما قد وقع وإن كانت نازلة قبله فهو وعد منه تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه سيراه.
وقيل: الضمير لموسى والمعنى: فلا تكن في مرية من لقائك موسى يوم القيامة.
وقيل: الضمير للكتاب والتقدير فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب.