فهرس الكتاب

الصفحة 2008 من 4314

ثم إن هذه القلوب الطاهرة لا تواجه شيئا من الأشياء إلا وهي تجده وتشاهده نعمة لله سبحانه حاكية لصفات جماله ومعاني كماله واصفة لعظمته وجلاله فكلما وصفوا شيئا من الأشياء وهم يرونه نعمة من نعم الله ويشاهدون فيه جماله تعالى في أسمائه وصفاته ولا يغفلون ولا يسهون عن ربهم في شيء كان وصفهم لذلك الشيء وصفا منهم لربهم بالجميل من أفعاله وصفاته فيكون ثناء منهم عليه وحمدا منهم له فليس الحمد إلا الثناء على الجميل من الفعل الاختياري.

فهذا شأن أوليائه تعالى وهم قاطنون في دار العمل يجتهدون في يومهم لغد فإذا لقوا ربهم فوفى لهم بوعده وأدخلهم في رحمته وأسكنهم دار كرامته أتم لهم نورهم الذي كان خصهم به في الدنيا كما قال تعالى:"نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا:"التحريم - 8.

فسقاهم شرابا طهورا يطهر به سرائرهم من كل شرك جلي وخفي ، وغشيهم بنور العلم واليقين ، وأجرى من قلوبهم على ألسنتهم عيون التوحيد فنزهوا الله وسبحوه أولا وسلموا على رفقائهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ثم حمدوا الله سبحانه وأثنوا عليه بأبلغ الحمد وأحسن الثناء.

وهذا هو الذي يقبل الانطباق عليه - والله أعلم - قوله في الآيتين:"تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم"وفيه ذكر جنة الولاية وتطهير قلوبهم:"دعواهم فيها سبحانك اللهم"وفيه تنزيهه تعالى وتسبيحه عن كل نقص وحاجة وشريك تنزيها على وجه الحضور لأنهم غير محجوبين عن ربهم"و تحيتهم فيها سلام"وهو توسيم اللقاء بالأمن المطلق ، ولا يوجد في غيرها من الأمن إلا اليسير النسبي"و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين"وفيه ذكر ثنائهم على الله بالجميل بعد تسبيحهم له وتنزيههم ، وهذا آخر ما ينتهي إليه أهل الجنة في كمال العلم.

وقد قدمنا في تفسير قوله تعالى:"الحمد لله رب العالمين:"الحمد: - 2 أن الحمد توصيف ، ولا يسع وصفه تعالى لأحد من خلقه إلا للمخلصين من عباده الذين أخلصهم لنفسه وخصهم بكرامة من القرب لا واسطة فيها بينهم وبينه قال تعالى:"سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين:"الصافات: - 160.

ولذلك لم يحك في كلامه حمده إلا عن آحاد من كرام أنبيائه كنوح وإبراهيم ومحمد وداود وسليمان (عليهما السلام) كقوله فيما أمر به نوحا:"فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين:"المؤمنون: - 28 ، وقوله حكاية عن إبراهيم:"الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق:"إبراهيم - 39 ، وقوله فيما أمر به محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في عدة مواضع:"قل الحمد لله:"النمل - 93 ، وقوله حكاية عن داود وسليمان:"و قالا الحمد لله:"النمل: - 15.

وقد حكى سبحانه حمده عن أهل الجنة في عدة مواضع من كلامه كقوله:"و قالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا:"الأعراف - 43 ، وقوله أيضا:"و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن:"فاطر: - 34 ، وقوله أيضا:"و قالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده:"الزمر: - 74 ، وقوله في هذه الآية:"و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين".

والآية تدل على أن الله سبحانه يلحق أهل الجنة من المؤمنين بالآخرة بعباده المخلصين ففيها وعد جميل وبشارة عظيمة للمؤمنين.

في تفسير العياشي ، عن يونس بن عبد الرحمن عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قوله تعالى:"و بشر الذين آمنوا - أن لهم قدم صدق عند ربهم"الآية قال الولاية وفي الكافي ، بإسناده عن إبراهيم بن عمر اليماني عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في قول الله:"و بشر الذين آمنوا - أن لهم قدم صدق عند ربهم"قال: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أقول: ورواه القمي في تفسيره ، مسندا والعياشي ، في تفسيره مرسلا عن إبراهيم بن عمر عمن ذكره عنه (عليه السلام) .

والظاهر أن المراد به شفاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ويدل على ذلك ما رواه الطبرسي في المجمع ، حيث قال: قيل: قدم صدق شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) : قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) .

وما رواه في الدر المنثور ، عن ابن مردويه عن علي بن أبي طالب: في قوله:"قدم صدق عند ربهم"قال: محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) شفيع لهم يوم القيامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت