فهرس الكتاب

الصفحة 2007 من 4314

فقد تبين أن إنكار اللقاء ونسيان يوم الحساب يوجب رضى الإنسان بالحياة الدنيا والاطمئنان إليها من الآخرة وقصر العلم عليه وانحصار الطلب فيه ، وإذ كان المدار على حقيقة الذكر والطلب لم يكن فرق بين إنكاره والرضى بالحياة الدنيا قولا وفعلا أو فعلا مع القول الخالي به.

وتبين أيضا أن الاعتقاد بالمعاد أحد الأصول التي يتقوم بها الدين إذ بسقوطه يسقط الأمر والنهي والوعد والوعيد والنبوة والوحي وهو بطلان الدين الإلهي من رأس.

وقوله:"أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون"بيان لجزائهم بالنار الخالدة قبال أعمالهم التي كسبوها.

قوله تعالى:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم"إلى آخر الآية ، هذا بيان لعاقبة أمر المؤمنين وما يثيبهم الله على استجابتهم لدعوته وطاعتهم لأمره.

ذكر سبحانه أنه يهديهم بإيمانهم ، وإنما يهديهم إلى ربهم لأن الكلام في عاقبة أمر من يرجو لقاء الله ، وقد قال تعالى:"و يهدي إليه من أناب:"الرعد: - 27.

فإنما يهدي الإيمان بإذن الله إلى الله سبحانه وكلما اهتدى المؤمنون إلى الحق أو إلى الصراط المستقيم أو غير ذلك مما يشتمل عليه كلامه فإنما هي وسائل ومدارج تنتهي بالآخرة إليه تعالى قال تعالى:"و إن إلى ربك المنتهى:"النجم: - 42.

وقد وصف المؤمنين بالإيمان والأعمال الصالحة ثم نسب هدايتهم إليه إلى الإيمان وحده فإن الإيمان هو الذي يصعد بالعبد إلى مقام القرب ، وليس للعمل الصالح إلا إعانة الإيمان وإسعاده في عمله كما قال تعالى:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات:"المجادلة: - 11 حيث ذكر للرفع الإيمان والعلم وسكت عن العمل الصالح ، وأوضحه منه في الدلالة قوله تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه:"فاطر: - 10.

هذا في الهداية التي هي شأن الإيمان ، وأما نعم الجنة فإن للعمل الصالح دخلا فيها كما أن للعمل الطالح دخلا في أنواع العذاب وقد ذكر تعالى في المؤمنين قوله:"تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم"كما ذكر في الكافرين قوله:"أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون".

وليتنبه الباحث المتدبر أنه تعالى ذكر لهؤلاء المهتدين بإيمانهم من مسكن القرب جنات النعيم ، ومن نعيمها الأنهار التي تجري من تحتهم فيها ، وقد تقدم في تفسير قوله تعالى:"صراط الذين أنعمت عليهم:"الحمد: - 7 وقوله:"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم"الآية: النساء: - 69 أن النعيم بحقيقة معناه في القرآن الكريم هو الولاية الإلهية ، وقد خص الله أولياءه المقربين بنوع من شراب الجنة اعتنى به في حقهم كما قال:"إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا:"الإنسان - 6 ، وقال أيضا"إن الأبرار لفي نعيم - إلى أن قال - يسقون من رحيق مختوم - إلى أن قال - عينا يشرب بها المقربون:"المطففين: - 28 ، وعليك بالتدبر في الآيات وتطبيق بعضها على بعض حتى ينجلي لك بعض ما أودعه الله سبحانه في كلامه من الأسرار اللطيفة.

قوله تعالى:"دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين"أول ما يكرم به الله سبحانه أولياءه - وهم الذين ليس في قلوبهم إلا الله ولا مدبر لأمرهم غيره - أنه يطهر قلوبهم عن محبة غيره فلا يحبون إلا الله فلا يتعلقون بشيء إلا الله وفي الله سبحانه فهم ينزهونه عن كل شريك يجذب قلوبهم إلى نفسه عن ذكر الله سبحانه وعن أي شاغل يشغلهم عن ربهم.

وهذا تنزيه منهم لربهم عن كل ما لا يليق بساحة قدسه من شريك في الاسم أو في المعنى أو نقص أو عدم ، وتسبيح منهم له لا في القول واللفظ فقط بل قولا وفعلا ولسانا وجنانا ، وما دون ذلك فإن له شوبا من الشرك ، وقد قال تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون:"يوسف - 106.

وهؤلاء الذين طهر الله قلوبهم عن قذارة حب غيره الشاغلة عن ذكره وملأها بحبه فلا يريدون إلا إياه وهو سبحانه الخير الذي لا شر معه قال:"و الله خير:"طه: - 73.

فلا يواجهون بقلوبهم التي هي ملأى بالخير والسلام أحدا إلا بخير وسلام اللهم إلا أن يكون الذي واجهوه بقلوبهم هو الذي يبدل الخير والسلام شرا وضرا كما أن القرآن شفاء لمن استشفى به لكنه لا يزيد الظالمين إلا خسارا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت