و الاختلاف الأول بالليل والنهار هو الذي يدبر أمر أهل الأرض بتسليط حرارة الأشعة ثم بسط برد الظلمة ونشر الرياح وبعث الناس للحركة المعاشية ثم جمعهم للسكن والراحة ، قال تعالى:"و جعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا:"النبأ: - 11.
والاختلاف الثاني هو الذي يرسم الفصول الأربعة السنوية التي يدبر بها أمر الأقوات والأرزاق كما قال تعالى:"و قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين": حم السجدة: - 10.
والنهار واليوم مترادفان إلا أن في النهار - على ما قيل - فائدة اتساع الضياء ولعله لذلك لا يستعمل النهار إلا بعناية مقابلته الليل بخلاف اليوم فإنه يستعمل فيما لا عناية فيه بذلك كما في مورد الإحصاء يقال: عشرة أيام وعشرين يوما وهكذا ، ولا يقال: عشرة نهارات وعشرين نهارا وهكذا.
والآية تشتمل على حجة تامة على توحده تعالى في ربوبيته فإن اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض يحمل نظاما واحدا عاما متقنا يدبر به أمر الموجودات الأرضية والسماوية وخاصة العالم الإنساني تدبيرا واحدا يتصل بعض أجزائه ببعض على أحسن ما يتصور.
وهو يكشف عن ربوبية واحدة ترب كل شيء ومنه الإنسان فلا رب إلا الله سبحانه لا شريك له في ربوبيته.
ومن المحتمل أن يكون قوله:"إن في اختلاف الليل والنهار"إلخ ، في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة:"يفصل الآيات لقوم يعلمون"لمكان إن ، والأنسب على هذا أن يكون المراد باختلاف الليل والنهار تواليهما على الأرض دون الاختلاف بالمعنى الآخر فإن هذا المعنى من الاختلاف هو الذي يسبق إلى الذهن من قوله في الآية السابقة:"جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل"وهو ظاهر.
قوله تعالى:"إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها"إلى آخر الآيتين.
شروع في بيان ما يتفرع على الدعوة السابقة المذكورة بقوله:"ذلكم الله ربكم فاعبدوه"من حيث عاقبة الأمر في استجابته ورده وطاعته ومعصيته.
فبدأ سبحانه بالكافرين بهذا الأمر فقال:"إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون"فوصفهم أولا بعدم رجائهم لقاءه وهو الرجوع إلى الله بالبعث يوم القيامة وقد تقدم الكلام في وجه تسميته بلقاء الله في مواضع من هذا الكتاب ومنها ما في تفسير آية الرؤية من سورة الأعراف فهؤلاء هم المنكرون ليوم الجزاء وبإنكاره يسقط الحساب والجزاء فالوعد والوعيد والأمر والنهي ، وبسقوطها يبطل الوحي والنبوة وما يتفرع عليه من الدين السماوي.
وبإنكار البعث والمعاد ينعطف هم الإنسان على الحياة الدنيا فإن الإنسان وكذا كل موجود ذي حياة له هم فطري ضروري في بقائه وطلب لسعادة تلك الحياة فإن كان مؤمنا بحياة دائمة تسع الحياة الدنيوية والأخروية معا فهو ، وإن لم يذعن إلا بهذه الحياة المحدودة الدنيوية علقت همته الفطرية بها ، ورضي بها وسكن بسببها عن طلب الآخرة ، وهو المراد بقوله:"و رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها".
ومن هنا يظهر أن الوصف الثاني أعني قوله:"و رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها"من لوازم الوصف الأول أعني قوله:"لا يرجون لقاءنا"وهو بمنزلة المفسر بالنسبة إليه ، وأن الباء في قوله:"اطمأنوا بها"للسببية أي سكنوا بسببها عن طلب اللقاء وهو الآخرة.
وقوله:"و الذين هم عن آياتنا غافلون"في محل التفسير لما تقدمه من الوصف لمكان ما بينهما من التلازم فإن نسيان الآخرة وذكر الدنيا لا ينفك عن الغفلة عن آيات الله.
والآية قريبة المضمون من قوله تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله الآية: النجم - 30 حيث دل على أن الإعراض عن ذكر الله وهو الغفلة عن آياته يوجب قصر علم الإنسان في الحياة الدنيا وشئونها فلا يريد إلا الحياة الدنيا وهو الضلال عن سبيل الله ، وقد عرف هذا الضلال بنسيان يوم الحساب في قوله:"إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب:"ص - 26."