و أما قوله:"ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط"إلخ فإن الحجة فيه أن العدل والقسط الإلهي - وهو من صفات فعله - يأبى أن يستوي عنده من خضع له بالإيمان به وعمل صالحا ومن استكبر عليه وكفر به وبآياته ، والطائفتان لا يحس بينهما بفرق في الدنيا فإنما السيطرة فيها للأسباب الكونية بحسب ما تنفع وتضر بإذن الله.
فلا يبقى إلا أن يفرق الله بينهما بعدله بعد إرجاعهما إليه فيجزي المؤمنين المحسنين جزاء حسنا والكفار المسيئين جزاء سيئا من جهة ما يتلذذون به أو يتألمون.
فالحجة معتمدة على تمايز الفريقين بالإيمان والعمل الصالح وبالكفر وعلى قوله:"بالقسط هذا ، وقوله:"ليجزي"متعلق بقوله:"إليه مرجعكم جميعا"على ظاهر التقرير."
ويمكن أن يكون قوله:"ليجزي"إلخ متعلقا بقوله:"ثم يعيده"ويكون الكلام مسوقا للتعليل وإشارة إلى حجة واحدة وهي الحجة الثانية المذكورة ، والأقرب من جهة اللفظ هو الأخير.
قوله تعالى:"هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا"إلى آخر الآية ، الضياء - على ما قيل - مصدر ضاء يضوء ضوء وضياء كعاذ يعوذ عوذا وعواذا ، وربما كان جمع ضوء كسياط جمع سوط ، واللفظ - على ما قيل - على تقدير مضاف والأصل جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور.
وكذلك قوله:"و قدره منازل"أي وقدر القمر ذا منازل في مسيره ينزل كل ليلة منزلا من تلك المنازل غير ما نزله في الليلة السابقة فلا يزال يتباعد من الشمس حتى يوافيها من الجانب الآخر ، وذلك في شهر قمري كامل فترتسم بذلك الشهور وترتسم بالشهور السنون ، ولذلك قال:"لتعلموا عدد السنين والحساب".
والآية تنبىء عن حجة من الحجج الدالة على توحده تعالى في ربوبيته للناس وتنزهه عن الشركاء ، والمعنى أنه هو الذي جعل الشمس ضياء تستفيدون منه في جميع شئون حياتكم كما يستفيد منه ما في عالمكم الأرضي من موجود مخلوق ، وكذا جعل القمر نورا يستفاد منه ، وقدره ذا منازل يؤدي اختلاف منازله إلى تكون الشهور والسنين فتستفيدون من ذلك في العلم بعدد السنين والحساب ولم يخلق ما خلق من ذلك بما يترتب عليه من الغايات والفوائد إلا بالحق فإنها غايات حقيقية منتظمة تترتب على خلقة ما خلق فليست بلغو باطل ولا صدفة اتفاقية.
فهو تعالى إنما خلق ذلك ورتبه على هذا الترتيب لتدبير شئون حياتكم وإصلاح أمور معاشكم ومعادكم فهو ربكم الذي يملك أمركم ويدبر شأنكم لا رب سواه.
وقوله:"يفصل الآيات لقوم يعلمون"من المحتمل أن يراد به التفصيل بحسب التكوين الخارجي أو بحسب البيان اللفظي ، ولعل الأول أقرب إلى سياق الآية.
قوله تعالى:"إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون"قال في المجمع ، الاختلاف ذهاب كل واحد من الشيئين في جهة غير جهة الآخر فاختلاف الليل والنهار ذهاب أحدهما في جهة الضياء والآخر في جهة الظلام ، انتهى.
والظاهر أنه مأخوذ من الخلف ، والأصل في معناه أخذ أحد الشيئين الآخر في جهة خلفه ثم اتسع فاستعمل في كل تغاير كائن بين شيئين.
يقال اختلفه أي جعله خلفه ، واختلف الناس في كذا ضد اتفقوا فيه ، واختلف الناس إليه أي ترددوا بالدخول عليه والخروج من عنده فجعل بعضهم بعضا خلفه.
والمراد باختلاف الليل والنهار إما ورود كل منهما على الأرض خلف الآخر وهو توالي الليل والنهار الراسم للأسابيع والشهور والسنين ، وإما اختلاف كل من الليل والنهار في أغلب بقاع الأرض المسكونة فالليل والنهار يتساويان في الاعتدال الربيعي ثم يأخذ النهار في الزيادة في المناطق الشمالية فيزيد النهار كل يوم على النهار السابق عليه حتى يبلغ أول الصيف فيأخذ في النقيصة حتى يبلغ الاعتدال الخريفي وهو أول الخريف فيتساويان.
ثم يأخذ الليل في الزيادة على النهار إلى أول الشتاء وهو منتهى طول الليالي ثم يعود راجعا إلى التساوي حتى ينتهي إلى الاعتدال الربيعي وهو أول الربيع هذا في المناطق الشمالية والأمر في المناطق الجنوبية بالخلاف منه فكلما زاد النهار طولا في أحد الجانبين زاد الليل طولا في الجانب الآخر بنفس النسبة.