و الجملة كالتعليل لقوله:"كان للناس عجبا"يمثل به معنى تعجبهم وهو أنهم لما سمعوا ما تلاه عليهم من القرآن وجدوه كلاما من غير نوع كلامهم خارقا للعادة المألوفة في سنخ الكلام يأخذ بمجامع القلوب وتتوله إليه النفوس فقالوا: إنه لسحر مبين ، وإن الجائي به لساحر مبين.
قوله تعالى:"إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام"لما ذكر في الآية السابقة عجبهم من نزول الوحي وهو القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكذيبهم له برميه بالسحر شرع تعالى في بيان ما كذبوا به من الجهتين أعني من جهة أن ما كذبوا به من المعارف المشتمل عليها القرآن حق لا ريب فيه ومن جهة أن القرآن الذي رموه بالسحر كتاب إلهي حق وليس من السحر الباطل في شيء.
فقوله:"إن ربكم الله"إلخ ، شروع في بيان الجهة الأولى وهي أن ما يدعوكم إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مما يعلمكم القرآن حق لا ريب فيه ويجب عليكم أن تتبعوه.
والمعنى: أن ربكم معاشر الناس هو الله الذي خلق هذا العالم المشهود كله سماواته وأرضه في ستة أيام ثم استوى على عرش قدرته وقام مقام التدبير الذي إليه ينتهي كل تدبير وإدارة فشرع يدبر أمر العالم ، وإذا انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين أو الاعتضاد بأعضاد لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور - وهو الشفاعة - إلا من بعد إذنه تعالى فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه ، ومن دونه من الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه.
وإذا كان كذلك كان الله تعالى هو ربكم الذي يدبر أمركم لا غيره مما اتخذتموها أربابا من دون الله وشفعاء عنده وهو المراد بقوله:"ذلكم الله ربكم فاعبدوه أ فلا تذكرون"أي هلا انتقلتم انتقالا فكريا إلى ما يستنير به أن الله هو ربكم لا رب غيره بالتأمل في معنى الألوهية والخلقة والتدبير.
وقد تقدم الكلام في معنى العرش والشفاعة والإذن وغير ذلك في ذيل قوله:"إن ربكم الله:"الأعراف: - 54 في الجزء الثامن من الكتاب.
قوله تعالى:"إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا"تذكير بالمعاد بعد التذكير بالمبدإ ، وقوله:"وعد الله حقا"من قيام المفعول المطلق مقام فعله والمعنى: وعده الله وعدا حقا.
والحق هو الخبر الذي له أصل في الواقع يطابق الخبر فكون وعده تعالى بالمعاد حقا معناه كون الخلقة الإلهية بنحو لا تتم خلقة إلا برجوع الأشياء - ومن جملتها الإنسان - إليه تعالى وذلك كالحجر الهابط من السماء فإنه يعد بحركته السقوط على الأرض فإن حركته سنخ أمر لا يتم إلا بالاقتراب التدريجي من الأرض والسقوط والاستقرار عليها ، والأشياء على حال كدح إلى ربها حتى تلاقيه ، قال تعالى:"يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه:"الانشقاق: - 6 فافهم ذلك.
قوله تعالى:"إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط"إلخ تأكيد لقوله:"إليه مرجعكم جميعا"وتفصيل لإجمال ما يتضمنه من معنى الرجوع والمعاد.
ويمكن أن يكون في مقام التعليل لما تقدمه من قوله:"إليه مرجعكم إلخ أشير به إلى حجتين من الحجج المستعملة في القرآن لإثبات المعاد: أما قوله:"إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده"فلأن الجاري من سنة الله سبحانه أنه يفيض الوجود على ما يخلقه من شيء ويمده من رحمته بما تتم له به الخلقة فيوجد ويعيش ويتنعم برحمة منه تعالى ما دام موجودا حتى ينتهي إلى أجل معدود."
وليس انتهاؤه إلى أجله المعدود المضروب له فناء منه وبطلانا للرحمة الإلهية التي كان بها وجوده وبقاؤه وسائر ما يلحق بذلك من حياة وقدرة وعلم ونحو ذلك بل بقبضه تعالى ما بسطه عليه من الرحمة فإن ما أفاضه الله عليه من عنده هو وجهه تعالى ولن يهلك وجهه.
فنفاد وجود الأشياء وانتهائها إلى أجلها ليس فناء منها وبطلانا لها على ما نتوهمه بل رجوعا وعودا منها إلى عنده وقد كانت نزلت من عنده ، وما عند الله باق فلم يكن إلا بسطا ثم قبضا فالله سبحانه يبدأ الأشياء ببسط الرحمة ويعيدها إليه بقبضها وهو المعاد الموعود.