فهرس الكتاب

الصفحة 2003 من 4314

قوله تعالى:"الر تلك آيات الكتاب الحكيم"الإشارة باللفظ الدال على البعد للدلالة على ارتفاع مكانة القرآن وعلو مقامه فإنه كلام الله النازل من عنده وهو العلي الأعلى رفيع الدرجات ذو العرش.

والآية - ومعناها العلامة - وإن كان من الجائز أن يسمى بها ما هو من قبيل المعاني أو الأعيان الخارجية كما في قوله:"أ ولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل:"الشعراء - 197 وفي قوله:"و جعلناها وابنها آية للعالمين": الأنبياء - 91 وكذا ما هو من قبيل القول كما في قوله ظاهرا:"و إذا بدلنا آية مكان آية": النحل: - 101 ونحو ذلك لكن المراد بالآيات هاهنا هي أجزاء الكلام الإلهي قطعا فإن الكلام في الوحي النازل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو كلام متلو مقرو بأي معنى من المعاني صورنا نزول الوحي.

فالمراد بالآيات أجزاء الكتاب الإلهي وتتعين في الجملة من جهة المقاطع التي تفصل الآيات بعضها من بعض مع إعانة ما من ذوق التفاهم ولذلك ربما وقع الخلاف في عدد آيات بعض السور بين علماء الإحصاء كالكوفيين والبصريين وغيرهم.

والمراد بالكتاب الحكيم هو الكتاب الذي استقرت فيه الحكمة ، وربما قيل: إن الحكيم من الفعيل بمعنى المفعول والمراد به المحكم غير القابل للانثلام والفساد ، والكتاب الذي هذا شأنه - وقد وصفه تعالى في الآية التالية بأنه من الوحي - هو القرآن المنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وربما قيل: إن الكتاب الحكيم هو اللوح المحفوظ ، وكون الآيات آياته هو أنها نزلت منه وهي محفوظة فيه ، وهو وإن لم يخل عن وجه بالنظر إلى أمثال قوله تعالى:"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ:"البروج: - 22 وقوله:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون:"الواقعة - 78 لكن الأظهر من الآية التي نحن فيها وسائر ما في سياقها من آيات أوائل هذه السور المفتتحة بالحروف"الر"وسائر الآيات المشابهة لها أو الناظرة إلى وصف القرآن أن المراد بالكتاب وبآياته هو هذا القرآن المتلو المقرو وآياته المتلوة المقروة بما أنه من اللوح المحفوظ من التغيير والبطلان كالكتاب المأخوذ بوجه من الكتاب كما يستفاد من مثل قوله تعالى:"تلك آيات الكتاب وقرآن مبين:"الحجر - 1 ، وقوله:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير:"هود: - 1 ، وغير ذلك.

قوله تعالى:"أ كان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم"إلى آخر الآية الاستفهام للإنكار فهو إنكار لتعجبهم من إيحاء الله إلى رجل منهم ما اشتملت عليه الدعوة القرآنية.

وقوله:"أن أنذر الناس"إلخ تفسير لما أوحاه إليه ، ويتبين به أن الذي ألقاه إليه من الوحي هو بالنسبة إلى عامة الناس إنذار وبالنسبة إلى الذين آمنوا منهم خاصة تبشير فهو لا محالة يضر الناس على بعض التقادير وهو تقدير الكفر والعصيان وينفعهم على تقدير الإيمان والطاعة.

وقد فسر البشرى الذي أمره أن يبشر به المؤمنين بقوله:"إن لهم قدم صدق عند ربهم"والمراد بقدم الصدق هو المنزلة الصادقة كما يشير إليه قوله:"في مقعد صدق عند مليك مقتدر: القمر - 55 فإن الإيمان لما استتبع الزلفى والمنزلة عند الله كان الصدق في الإيمان يستتبع الصدق في المنزلة التي يستتبعها فلهم منزلة الصدق كما أن لهم إيمان الصدق."

فإطلاق القدم على المنزلة والمكانة من الكناية ولما كان إشغال المكان عادة إنما هو بالقدم استعملت القدم في المكان إن كان في الماديات ، وفي المكانة والمنزلة إن كان في المعنويات ثم أضيفت القدم إلى الصدق ، وهو صدق صاحب القدم في شأنه أي قدم منسوبة إلى صدق صاحبها أو قدم هي صادقة لصدق صاحبها في شأنه.

وهناك معنى آخر وهو أن يراد بالصدق طبيعته كأن للصدق قدما وللكذب قدما وقدم الصدق هي التي تثبت ولا تزول.

وقوله:"قال الكافرون إن هذا لساحر مبين"أي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقرىء:"إن هذا لسحر مبين"أي القرآن ومآل القراءتين واحد فإنهم إنما كانوا يرمونه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسحر من جهة القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت