قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله"إلخ"، مقابلته مع قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله"إلخ"، يفيد أن الوصف مقابل الوصف أي كما أن المراد من قوله: ومن الناس من يعجبك ، بيان أن هناك رجلا معتزا بإثمه معجبا بنفسه متظاهرا بالإصلاح مضمرا للنفاق لا يعود منه إلى حال الدين والإنسانية إلا الفساد والهلاك كذلك المراد من قوله: ومن الناس من يشري نفسه"إلخ"، بيان أن هناك رجلا آخر باع نفسه من الله سبحانه لا يريد إلا ما أراده الله تعالى لا هوى له في نفسه ولا اعتزاز له إلا بربه ولا ابتغاء له إلا لمرضاة الله تعالى ، فيصلح به أمر الدين والدنيا ، ويحيى به الحق ، ويطيب به عيش الإنسانية ، ويدر به ضرع الإسلام ، وبذلك يظهر ارتباط الذيل بالصدر أعني قوله تعالى: والله رءوف بالعباد ، بما قبله ، فإن وجود إنسان هذه صفته من رأفة الله سبحانه بعباده إذ لو لا رجال هذه صفاتهم بين الناس في مقابل رجال آخرين صفتهم ما ذكر من النفاق والإفساد لانهدمت أركان الدين ، ولم تستقر من بناء الصلاح والرشاد لبنة على لبنة ، لكن الله سبحانه لا يزال يزهق ذاك الباطل بهذا الحق ويتدارك إفساد أعدائه بإصلاح أوليائه كما قال تعالى:"و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض:"البقرة - 251 ، وقال تعالى:"و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا:"الحج - 40 ، وقال تعالى:"فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين:"الأنعام - 89 ، فالفساد الطارىء على الدين والدنيا من قبل عدة ممن لا هوى له إلا في نفسه لا يمكن سد ثلمته إلا بالصلاح الفائض من قبل آخرين ممن باع نفسه من الله سبحانه ، ولا هوى له إلا في ربه ، وإصلاح الأرض ومن عليها ، وقد ذكر هذه المعاملة الرابية عند الله بقوله تعالى:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به:"التوبة - 111 ، إلى غير ذلك من الآيات.
في الدر المنثور ، عن السدي: في قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك الآية ، أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف لبني زهرة ، أقبل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة وقال: جئت أريد الإسلام ويعلم الله إني لصادق فأعجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك منه فذلك قوله تعالى: ويشهد الله على ما في قلبه ، ثم خرج من عند النبي فمر بزرع لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر فأنزل الله: وإذا تولى سعى في الأرض الآية.
وفي المجمع ، عن ابن عباس: نزلت الآيات الثلاثة في المرائي لأنه يظهر خلاف ما يبطن ، قال: وهو المروي عن الصادق (عليه السلام) .
أقول: ولكنه غير منطبق على ظاهر الآيات.
وفي بعض الروايات عن أئمة أهل البيت أنها من الآيات النازلة في أعدائهم.
وفي المجمع ، عن الصادق (عليه السلام) : في قوله تعالى: ويهلك الحرث والنسل: أن المراد بالحرث هاهنا الدين ، والنسل الإنسان.
أقول: وقد مر بيانه ، وقد روي: أن المراد بالحرث الذرية والزرع ، والأمر في التطبيق سهل.
وفي أمالي الشيخ ، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) : في قوله تعالى: ومن الناس من يشري نفسه الآية ، قال: نزلت في علي (عليه السلام) حين بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أقول: وقد تكاثرت الروايات من طرق الفريقين أنها نزلت في شأن ليلة الفراش ، ورواه في تفسير البرهان ، بخمس طرق عن الثعلبي وغيره.