فهذا الذي يخالف ظاهر قوله باطن قلبه إذا سعى في الأرض بالفساد فإنما يفسد بما ظاهره الإصلاح بتحريف الكلمة عن موضعها ، وتغيير حكم الله عما هو عليه ، والتصرف في التعاليم الدينية ، بما يؤدي إلى فساد الأخلاق واختلاف الكلمة ، وفي ذلك موت الدين ، وفناء الإنسانية ، وفساد الدنيا ، وقد صدق هذه الآيات ما جرى عليه التاريخ من ولاية رجال وركوبهم أكتاف هذه الأمة الإسلامية ، وتصرفهم في أمر الدين والدنيا بما لم يستعقب للدين إلا وبالا ، وللمسلمين إلا انحطاطا ، وللأمة إلا اختلافا ، فلم يلبث الدين حتى صار لعبة لكل لاعب ، ولا الإنسانية إلا خطفة لكل خاطف ، فنتيجة هذا السعي فساد الأرض ، وذلك بهلاك الدين أولا ، وهلاك الإنسانية ثانيا ، ولهذا فسر قوله ويهلك الحرث والنسل في بعض الروايات بهلاك الدين والإنسانية كما سيأتي إن شاء الله.
قوله تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ، العزة معروفة ، والمهاد الوطاء ، والظاهر أن قوله: بالإثم متعلق بالعزة ، والمعنى أنه إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة الظاهرة التي اكتسبها بالإثم والنفاق المستبطن في نفسه ، وذلك أن العزة المطلقة إنما هي من الله سبحانه كما قال تعالى:"تعز من تشاء وتذل من تشاء:"آل عمران - 26 ، وقال تعالى:"و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين:"المنافقين - 8 ، وقال تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا:"النساء - 139.
وحاشا أن ينسب تعالى شيئا إلى نفسه ويختصه بإعطائه ثم يستعقب إثما أو شرا فهذه العزة إنما هي عزة يحسبها الجاهل بحقيقة الأمر عزة بحسب ظاهر الحياة الدنيا لا عزة حقيقية أعطاها الله سبحانه لصاحبها.
ومن هنا يظهر أن قوله: بالإثم ليس متعلقا بقوله: أخذته ، بأن يكون الباء للتعدية ، والمعنى حملته العزة على الإثم ورد الأمر بالتقوى ، وتجيبه الأمر بما يسوؤه من القول ، أو يكون الباء للسببية ، والمعنى ظهرت فيه العزة والمناعة بسبب الإثم الذي اكتسبه ، وذلك أن إطلاق العزة على هذه الحالة النفسانية وتسميته بالعزة يستلزم إمضاءها والتصديق منه تعالى بأنها عزة حقيقية وليست بها ، بخلاف ما لو سميت عزة بالإثم.
وأما قوله تعالى:"بل الذين كفروا في عزة وشقاق كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص:"ص - 2 ، فليس من قبيل التسمية والإمضاء لكون العزة نكرة مع تعقيب الآية بقوله: كم أهلكنا من قبلهم"إلخ"، فهي هناك عزة صورية غير باقية ولا أصيلة.