فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 4314

قوله تعالى: ولو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ، أي ولو شاء الله لم يؤثر الاختلاف في استدعاء القتال ولكن الله يفعل ما يريد وقد أراد أن يؤثر هذا الاختلاف في سوقه الناس إلى الاقتتال جريا على سنة الأسباب.

ومحصل معنى الآية والله العالم: أن الرسل التي أرسلوا إلى الناس عباد لله مقربون عند ربهم ، مرتفع عن الناس أفقهم وهم مفضل بعضهم على بعض على ما لهم من الأصل الواحد والمقام المشترك ، فهذا حال الرسل وقد أتوا للناس بآيات بينات أظهروا بها الحق كل الإظهار وبينوا طريق الهداية أتم البيان ، وكان لازمه أن لا ينساق الناس بعدهم إلا إلى الوحدة والألفة والمحبة في دين الله من غير اختلاف وقتال لكن كان هناك سبب آخر أعقم هذا السبب ، وهو الاختلاف عن بغي منهم وانشعابهم إلى مؤمن وكافر ، ثم التفرق بعد ذلك في سائر شئون الحياة والسعادة ، ولو شاء الله لأعقم هذا السبب أعني الاختلاف فلم يوجب الاقتتال وما اقتتلوا ، ولكن لم يشأ وأجرى هذا السبب كسائر الأسباب والعلل على سنة الأسباب التي أرادها الله في عالم الصنع والإيجاد ، والله يفعل ما يريد.

قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا"إلخ"، معناه واضح وفي ذيل الآية دلالة على أن الاستنكاف عن الإنفاق كفر وظلم.

في الكافي ، عن الباقر (عليه السلام) : في قوله تعالى: تلك الرسل فضلنا"إلخ"، في هذا ما يستدل به على أن أصحاب محمد قد اختلفوا من بعده فمنهم من آمن ومنهم من كفر.

وفي تفسير العياشي ، عن أصبغ بن نباتة ، قال: كنت واقفا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم الجمل فجاء رجل حتى وقف بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين كبر القوم وكبرنا ، وهلل القوم وهللنا ، وصلى القوم وصلينا ، فعلى ما نقاتلهم؟! فقال (عليه السلام) : على هذه الآية"تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض - منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات - وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس - ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم فنحن الذين من بعدهم ولكن اختلفوا فمنهم من آمن - ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا - ولكن الله يفعل ما يريد"فنحن الذين آمنا وهم الذين كفروا فقال الرجل: كفر القوم ورب الكعبة ثم حمل فقاتل حتى قتل رحمه الله.

أقول: وروى هذه القصة المفيد والشيخ في أماليهما ، والقمي في تفسيره ، والرواية تدل على أنه (عليه السلام) أخذ الكفر في الآية بالمعنى الأعم من الكفر الخاص المصطلح الذي له أحكام خاصة في الدين ، فإن النقل المستفيض وكذا التاريخ يشهدان أنه (عليه السلام) ما كان يعامل مع مخالفيه من أصحاب الجمل وأصحاب صفين والخوارج معاملة الكفار من غير أهل الكتاب ولا معاملة أهل الكتاب ولا معاملة أهل الردة من الدين ، فليس إلا أنه عدهم كافرين على الباطن دون الظاهر ، وقد كان (عليه السلام) يقول: أقاتلهم على التأويل دون التنزيل.

وظاهر الآية يساعد هذا المعنى ، فإنه يدل على أن البينات التي جاءت بها الرسل لم تنفع في رفع الاقتتال من الذين من بعدهم لمكان الاختلاف المستند إليهم أنفسهم فوقوع الاختلاف مما لا تنفع فيه البينات من الرسل بل هو مما يؤدي إليه الاجتماع الإنساني الذي لا يخلو عن البغي والظلم ، فالآية في مساق قوله تعالى:"و ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون:"يونس: 19 ، وقوله تعالى:"كان الناس أمة واحدة - إلى أن قال -: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه:"البقرة - 213 ، وقوله تعالى:"و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك:"هود - 119 ، كل ذلك يدل على أن الاختلاف في الكتاب - وهو الاختلاف في الدين - بين أتباع الأنبياء بعدهم مما لا مناص عنه ، وقد قال تعالى في خصوص هذه الأمة:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم:"البقرة - 214 ، وقال تعالى حكاية عن رسوله ليوم القيامة:"و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا:"الفرقان - 30 ، وفي مطاوى الآيات تصريحات وتلويحات بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت